“دينا المدهون” لم تكن عابرة طريق
استشهدت “دينا”، وتداول كثيرون قصتها تحت عنوان “عابرة طريق”!
لكن دينا لم تكن يومًا عابرة طريق، فقد كانت معلمةً زرعت في قلوب طلابها ما هو أبقى من الدروس، وتركت في دروب الحياة أثرًا لا يمحوه الغياب، وتؤمن أن التربية تسبق التعليم، وأن بناء الإنسان أهم من تلقينه الدروس، ولم تكن تكتفي بشرح المناهج، بل تزرع القيم وتمنح طلابها من قلبها قبل علمها، وتترك في نفوسهم أثرًا يبقى طويلًا بعد انتهاء الحصة.
وريثة الحنان
ضمن سلسلة “الشهداء ليسوا أرقامًا” تحدثت منصة القدس 360 مع عائلة الشهيدة “دينا المدهون”، فاستهلت شقيقتها “روان” حديثها: “بعد وفاة والدتي وهي لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها، ركضت خلف نعشها باكيةً تنادي: “ماما”، ثم أصبحت وريثتها في الحنان فأغدقت علينا بحنانها وعطفها وأدت دور الأم لنا جميعًا، ووقفت إلى جانبنا سندًا وعونًا، تحتوي وتدفع الجميع نحو أحلامهم، حتى كبرنا فتخرج من بيننا ثلاثة أطباء وثلاثة معلمات”.
بوابةُ الخير
لم تكن “دينا” تكتفي بفعل الخير بنفسها، بل كانت بوابةً يعبر منها الآخرون إلى ميادين العطاء، فتلتفت إلى احتياجات الناس من حولها، فإذا علمت بعائلةٍ تعاني ضيقًا أو أسرةٍ فقدت معيلها، سارعت إلى إخوتها قائلة: “هذه عائلة محتاجة، وهذه أسرة تحتاج من يقف إلى جانبها”، فتجمع منهم ما تيسر من مال أو عون، ثم توصل الخير إلى مستحقيه.
مولعةٌ بسير الخالدين
“كانت أختي دينا شغوفةً بسير الشهداء والصالحين، تستمع إلى حكاياتهم وتتأمل في أثرهم الذي يبقى حاضرًا بعد الرحيل، تتساءل دائمًا عن السر الكامن خلف هذا القبول والمحبة التي يزرعها الله لهم في قلوب الناس” تقول شقيقتها روان، ثم تكمل: ” كانت دائمًا تقول لي ليتنا نستطيع الوصول إلى أهالي الشهداء ونعرف ماذا كانوا يفعلون في حياتهم حتى يعلو ذكرهم هكذا بين الناس”.
محبة للحياة
ورغم هذا التعلّق بسير الراحلين إلى الله، كانت “دينا” عاشقةً للحياة بكل تفاصيلها الجميلة، تحب الخروج والتنزه، وتحرص على تنظيم الرحلات العائلية إلى الشاليهات والمنتجعات، فتجمع من حولها الفرح كما تجمعهم حول المحبة، كما كانت أنيقةً في حضورها، مرتبةً في مظهرها، حتى صار وصف “الأنيقة” ملازمًا لها بين أهلها ومعارفها.
عطاء حتى اللحظة الأخيرة
منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، لم تتخلَّ “دينا” عن رسالتها التربوية رغم الخوف والنزوح والقصف، لأنها تؤمن أن الأطفال الذين سُرقت منهم بيوتهم لا يجب أن تُسرق منهم فرصتهم في التعلّم أيضًا، فحرست حقهم في التعليم كما تحرس الأم أبناءها!
وفي طريق عودتها من أداء هذه الرسالة، استهدف الاحتلال سيارة تمر من جانبها، فاستُشهدت وهي عائدة من عملها، يقول والدها: “اتصل علي رقم غريب أخبرني أن دينا مصابة في الشفاء، فذهبت على الفور وحين وصلت وجدت حارس المدرسة التي تعمل بها فاخبرني عن استشهادها”.
رحلت دينا، وبقيت رسالتها باقية “أن التعليم ليست رفاهية، بل طوق نجاة لأطفال غزة”!




