من يافا إلى غزة.. “كذبوا عليكم” منذ بداية الحكاية
الكذب ليس جديدًا على الاحتلال، ولا وليد حرب الإبادة الأخيرة..
فمنذ أن بدأت موجات الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، ووصلت جماعاتٌ إلى شواطئ يافا، بدأ الاحتلال بتشييد مستوطناته على أرضٍ لم تكن له، ثم شرع في بناء روايته على إنكار الحقيقة، مروّجًا مقولة: «أرضٌ بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض»، رغم أن فلسطين كانت عامرةً بشعبها ومدنها وقراها وبيوتها وحياتها.
ومنذ ذلك الحين، لم يكتفِ الاحتلال باقتلاع الفلسطيني من أرضه، بل حاول اقتلاعه من الرواية والتاريخ أيضًا، فكان الكذب جزءًا أصيلًا من مشروعه، لا استثناءً عابرًا، لذلك، فإن «كذبوا عليكم» ليست عبارةً جديدة؛ الجديد هو أن يصدّق البعض كذبتهم اليوم، وأن يقتنع بأن الحرب انتهت، وأن الإبادة توقفت، لمجرد أن الاحتلال أعلن ذلك.
صناع المحتوى في غزة أطلقوا حملة “كذبوا عليكم” كصرخة من قلب الإبادة التي لم تتوقف بالهدنة كما صدقها العالم، ليقولوا للعالم كله أن عزة ما تزال تدفع ثمن الإبادة؛ في أجساد جرحاها، وفي بيوت أهلها المدمرة، وفي جوعها وحصارها وتهجيرها، وفي آلاف القصص التي لم تنتهِ بانتهاء القصف.
كيف انتهت الإبادة؟! بينما ما زالت غزة تفقد أبناءها في طريق عودتهم من أعمالهم؟
ففي إحدى تلك الحكايات، كانت دينا المدهون تؤدي عملها في إحدى النقاط التعليمية، حيث كانت تذهب لتعليم الأطفال وسط الحرب، وتحاول أن تمنحهم شيئًا من الأمان والمعرفة في واقعٍ سُلبت منه أبسط مقومات الحياة، وفي طريق عودتها من عملها، لم تصل دينا إلى بيتها، فاستشهدت وهي عائدة!
وكيف انتهت الإبادة وفارس الطفل الغزي، نام في حضن أمه، يبحث عن الأمان الوحيد الذي يعرفه، ثم استيقظ في الصباح ليجد عائلته كلها قد استشهدت؟
ربما حاولت عمته أن تهدهده، أو احتضنته خالته، وربما أحاط به كثيرون ممن أرادوا أن يخففوا عنه فاجعته، لكن فارس لم يكن يريد كل تلك الأذرع، كان يريد حضن أمه!
فكيف انتهت الإبادة؟! وآلاف مرضى السرطان في غزة ما زالوا ينتظرون معبرًا يُفتح، أو تصريحًا يُمنح، أو إذن سفرٍ قد يصل متأخرًا عن أجسادهم؟ مرضى ينتظرون فرصةً للعلاج خارج القطاع، بعدما دُمّرت المستشفيات، ونفدت الأدوية، وتوقفت علاجاتهم، وتحولت رحلة البحث عن العلاج إلى انتظارٍ طويل على أبواب المعابر.
هناك من ينتظر جرعة علاج، ومن ينتظر عملية، ومن ينتظر موافقةً للسفر، بينما المرض لا ينتظر.
كيف انتهت الإبادة، وآلاف المرضى ما زالوا عالقين بين المرض والحصار، ينتظرون إذنًا للعبور كي يحصلوا على حقهم في الحياة؟
وكيف انتهت، ومرضى الكلى في غزة يواجهون نقصًا حادًا في بيكربونات الصوديوم، وهي مادة أساسية تُستخدم في تشغيل أجهزة غسيل الكلى؟ مرضى يحتاجون إلى جلسات الغسيل بانتظام كي يبقوا على قيد الحياة، لكنهم يواجهون نقصًا في المواد اللازمة لتشغيل الأجهزة، بينما تُمنع الإمدادات الطبية من الوصول إليهم.
كيف انتهت، وأطفال غزة في الخيام ما زالوا يواجهون الأمراض الجلدية والأوبئة، بعدما دفعتهم الحرب إلى العيش في ظروفٍ لا تصلح للحياة؟
في الخيام، حيث الحرارة الشديدة، والمياه الملوثة، وانعدام النظافة، وانتشار الحشرات، تتفشى الأمراض بين الأطفال، وتنتشر الطفوح الجلدية والالتهابات والأمراض المعدية، بينما تفتقر العائلات إلى الأدوية والمياه النظيفة والقدرة على الوصول إلى الرعاية الطبية.
كيف انتهت، وعشرات آلاف الجرحى في غزة ما زالوا ينتظرون تحويلاتٍ طبية تتيح لهم تلقي العلاج خارج القطاع، بينما يواصل الاحتلال رفض منحهم التصاريح اللازمة للخروج؟! جرحى أنهكتهم الإصابات، وبعضهم يحتاج إلى عملياتٍ عاجلة أو علاجاتٍ غير متوفرة في مستشفيات غزة، لكنهم عالقون في انتظار موافقةٍ قد تأتي، أو لا تأتي، فيما لا ينتظر المرض والوجع.
ويتساءلُ أيضًا أهل غزة المكلومون!! كيف انتهت الإبادة وما زال شلالُ الدم نازفًا لا يتوقف! وكيف صدقتُم كذبهم؟!




