إنسانفلسطين وناسها

سجود المشهراوي.. حين ترتدي الأوجاع معطفًا أبيض!

 

قبل أن تُكتب أسماء الأبطال في ساحات القتال..

تُكتب أسماء آخرين في أروقة المستشفيات، حيث تُخاض معركةٌ أخرى لا تقل قسوة، فالحروب لا يصنع بطولتها من يحمل السلاح وحده، بل أيضًا من يحمل الضمادات، ويُسعف الجراح، ويقف في مواجهة الموت كل يوم وهو يحاول انتزاع حياةٍ من بين أنيابه!

 

الممرضة الإنسانة

كانت سجود حسن المشهراوي واحدةً من هؤلاء؛ لم تواجه الحرب برصاصة، بل بيدين أنهكهما علاج المصابين، وبقلبٍ مثقلٍ بفقد شقيقها وصديقها “مجد”، وبخطواتٍ لم تتوقف عن العودة إلى مستشفى الشفاء رغم الجوع والقصف والانهيار، كما تمسح دموع المبتورين في اللحظة التي يكتشفون فيها أن أطرافهم لم تعد معهم، وتبحث عن ابتسامة طفلٍ وسط الركام لتؤكد أن الحياة ما زالت قادرة على المقاومة.

 

مشوارٌ ثقيل

في كل صباح، كانت تسير نحو مستشفى الشفاء تاركة خلفها بيتًا قصفته الحرب، وأخًا اختطفه الموت، وقلبًا لم يمنحه الحزن فرصةً ليلتقط أنفاسه، وبين أروقة المستشفى كانت تواجه أصعب اللحظات، أطفالًا يحاولون التمسك بضحكةٍ وسط الركام، وشبانًا يستيقظون على الحقيقة الأكثر قسوة حين يكتشفون أن أطرافهم لم تعد جزءًا من أجسادهم، وأمهاتٍ يبتلعن دموعهن كي لا ينهار أبناؤهن!

 

اختبارٌ يومي

“كيف غيرتك الحرب؟” تجيب الممرضة “سجود المشهراوي” في حوارها مع منصة القدس 360: “لم تكن الحرب مجرد حدث عشته كباقي أبناء غزة، بل كان اختبارًا يوميًا لي، فكوني أخصائية العلاج الطبيعي، الحاصلة على درجة الماجستير في العظام، والمحاضِرة الجامعية في عدة جامعات، وجدت نفسي فجأةً أؤدي أدوارًا لم أتخيل يومًا أنني سأقوم بها؛ أعالج الجرحى، وأساعد في التمريض، وأدخل غرف العمليات، وأحمل في قلبي فاجعة استشهاد شقيقي مجد، بينما أحاول أن أمنع آلاف المصابين من خسارة أطرافهم أو حياتهم”.

 

وتكمل أنه رغم أن مقر عملها كان جنوب القطاع، فإنها بقيت مع أسرتها في مدينة غزة منذ اللحظة الأولى للحرب، ولم تغادرها نحو الجنوب كما فعل آلاف السكان، لتصبح واحدةً من أفراد الطواقم الطبية الذين بقوا في شمال القطاع وواجهوا كوارث الحصار والمجاعة.

 

في الأيام الأولى للحرب لم تتمكن من الالتحاق بعملها، بعدما تعرض منزل عائلتها للقصف في اليوم الخامس، فأصيبت هي وعدد من أفراد أسرتها بجروح طفيفة، وبدأت رحلة النزوح داخل المدينة، كان مستشفى الشفاء آنذاك لا يزال يضم عدداً كبيراً من الطواقم الطبية، لذلك لم تكن الحاجة إليها ملحة، بينما كان الجميع يعيش صدمة الأيام الأولى والخوف من المجهول.

 

لكن المشهد تبدّل كلياً بعد الاجتياح الأول لمستشفى الشفاء، حين اعتُقل عدد كبير من الطواقم الطبية، ورُحّل آخرون قسراً إلى الجنوب، فيما استشهد آخرون أثناء أداء واجبهم، ومع إعادة افتتاح المستشفى مطلع كانون الثاني/يناير 2024، كانت سجود من أوائل من عادوا للعمل داخله، في مستشفى لم يعد يشبه المستشفى الذي عرفته يوماً.

 

مشاهد القيامة

تقول: “ما رأيته في يومي الأول لا يمكن وصفه إلا بأنه مشهد من يوم القيامة؛ جرحى يفترشون الأرض والممرات والأسرة، وأعدادٌ هائلة من المصابين الذين تُركوا لأسابيع دون تدخل طبي خلال فترة الاجتياح، حتى تحولت إصابات كان يمكن علاجها إلى إعاقات دائمة بسبب تأخر العمليات أو غياب العلاج الطبيعي المبكر.

 

غير أن الألم المهني لم يكن وحده ما يثقل قلبها، ففي الثاني من كانون الثاني استشهد شقيقها “مجد”، ولم يمضِ على دفنه سوى أيام قليلة حين عادت إلى المستشفى، فكل شاب جريح كانت ترى فيه شقيقها، وكل شاب يفارق الحياة أمامها كانت تشعر وكأنها تفقد مجد مرةً أخرى، تصف شعورها لمنصة القدس 360 بأن الجرح كان مفتوحاً، ولم يكن عقلها قد استوعب غيابه، لذلك تضاعفت قسوة المشاهد عليها، حتى باتت تمارس عملها وهي تحمل فاجعة شخصية لا تقل ألماً عن فواجع المرضى.

 

ذاكرة مثقلة بالوجع

في أيامها الأولى حاولت “سجود” أن تتماسك، لكن الواقع لم يمنحها فرصةً طويلة للحزن، فخلال يومين أو ثلاثة فقط وجدت نفسها مضطرة إلى العمل في كل مكان، فلم يعد اختصاص العلاج الطبيعي وحده كافياً، فالكل كان يؤدي كل الأدوار الممكنة، في التمريض، وغرف العمليات، ومرافقة الجرحى، وأي مهمة يمكن أن تسهم في إنقاذ إنسان.

 

ومن بين آلاف المشاهد التي مرت عليها، بقي طفل في السابعة من عمره محفوراً في ذاكرتها، حين دخلت الغرفة أثناء تغيير الضمادات له، ولم يكن للطفل يدان؛ ولم يتبقَّ من ذراعيه سوى بضعة سنتيمترات، فكانت جراحه مفتوحة، ولم يكن هناك أي نوع من التخدير أو المسكنات، وكان يصرخ بكل ما أوتي من قوة، بينما تحتضنه والدته وتبكي عاجزة عن تخفيف ألمه.

 

تصف سجود تلك اللحظة بأنها كانت أول صفعة حقيقية تلقتها خلال الحرب، ولم تعد قادرة على الفصل بين نفسها وبين المرضى؛ كانت تشعر بألم كل مصاب داخل جسدها، وكأن اليد المبتورة يدها، والحروق تحرق جسدها هي، هذا التماهي الكامل مع الجرحى أضعف قدرتها على العمل في الأسابيع الأولى، لأنها كانت تضع نفسها مكان كل من تراه.

 

وفي اللحظة ذاتها تقريباً، التقت بإحدى زميلاتها للمرة الأولى بعد انقطاع الاتصالات، فاحتضنتها داخل غرفة الطفل، لتخبرها الزميلة أن شقيقتها استشهدت، فترد عليها سجود بأن شقيقها أيضاً استشهد، وبينما كان الطفل يصرخ من الألم، كانت الطبيبتان تبكيان في حضن بعضهما، غير قادرتين على التمييز بين دموع الفقد ودموع العجز ودموع الطفل الذي يتألم أمامهما.

 

تقول إن الحرب غيّرت مفهوم العلاج الطبيعي بالكامل، فقبل الحرب كان تدخلهم يبدأ غالباً بعد إجراء العمليات الجراحية أو في حالات الكسور والجلطات، أما خلال الحرب فقد وجدوا أنفسهم يتعاملون مباشرة مع اللحم الحي، والأطراف الممزقة، والبطون المفتوحة، لأن المصابين قد ينتظرون عشرين يوماً أو أكثر قبل دخول غرفة العمليات، وإذا تُركوا دون تدخل فإنهم سيفقدون أطرافهم أو حياتهم.

 

انعدامُ الحياة

“لم تكن هناك مسكنات، ولا شاش، ولا مستلزمات طبية، ولا حتى نوافذ تحمي الجرحى من برد الشتاء، كان المرضى والنازحون يفترشون الأرض داخل المستشفى، بينما كانت الطواقم الطبية نفسها نازحة، فقدت بيوتها وكل ما تملك”، تصف “سجود” المشهد خاتمة حديثها أنه أشبه بشخص فقد يده ويحاول أن يمدها لإنقاذ شخص آخر فقد يده أيضاً، فلا أحد يملك ما ينقذ به الآخر.

 

بينما تصر “سجود” أن المجاعة كانت جزءاً لا يقل قسوة عن القصف، ففي الأشهر الأولى من عام 2024 م ضربت المجاعة شمال غزة، حتى وصل الناس إلى أكل أعلاف الحيوانات وخبز الطيور، ومع ذلك لم يكن متوفراً إلا بكميات ضئيلة وبأسعار باهظة.

 

كانت “سجود” تذهب إلى المستشفى جائعة، وتقف لساعات طويلة بين الدماء والجرحى دون أن تجد حتى كأس ماء، وفي الوقت نفسه كانوا يستقبلون ما عُرف لاحقاً بـ”جرحى الطحين” أولئك الذين أصيبوا أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء عند دوار النابلسي أو المساعدات القادمة إلى المنطقة، تقول: “كان الجوع ينهش أجساد الجميع، والجرحى لا تلتئم جراحهم، والعظام لا تلتئم بسبب سوء التغذية”.

 

بينما كان الوصول إلى مستشفى الشفاء رحلة بحد ذاتها وفصل من فصول الحكاية الموجعة، لم تكن هناك وسائل نقل، فكانت تسير نحو خمسين دقيقة ذهاباً ومثلها إياباً وسط القصف والخوف، ورغم الجوع الذي يمزقها، كانت تقول إن أكثر ما كان يكسرها هو رؤية الأطباء والممرضين الشباب يعملون لساعات طويلة وهم يتضورون جوعاً، عاجزين حتى عن الحصول على لقمة تسند أجسادهم.

 

مشاهد لا تُنسى

تتزاحم في ذاكرة “سجود” آلاف الصور التي لا تستطيع نسيانها، تقول إنها تعاملت مع آلاف مبتوري الأطراف، وآلاف من خرجت أدمغتهم من رؤوسهم، وأطفال فُقئت عيونهم، حتى باتت هذه المشاهد جزءاً من يومها المعتاد.

 

ومن أكثر الحالات التي بقيت راسخة في ذاكرتها أمٌّ وثلاثة من أطفالها أُصيبوا بحروق شديدة بعد انفجار أسطوانة غاز أثناء محاولتهم الاحتماء من القصف داخل أحد المطابخ، ولم يكن في شمال غزة أطباء تجميل، ولا متخصصون بالحروق، ولا حتى المستلزمات الأساسية للعلاج.

 

أما هي فكانت تضطر إلى إجراء تمارين العلاج الطبيعي للأطراف المحترقة أثناء تغيير الضمادات مباشرة، لمنع تيبس المفاصل، وهو إجراء يفترض أن يتم تحت التخدير، لكن الأطفال والأم كانوا يصرخون من الألم دون أي مسكن.

 

وفي غرفة أخرى، كانت هناك مجموعة من ستة أطفال أيتام، استشهد والدهم ووالدتهم، ولم يبقَ معهم سوى جدتين مسنتين، بعض الأطفال كانوا مبتوري الأطراف، وآخرون يعانون من إصابات خطيرة في البطن!

 

المشهد الأخير الذي كسرها للمرة الأولى تختم به حديثها مع منصة القدس 360 كان قبل فترة قصيرة داخل العناية المركزة، حين كشف الطبيب الغطاء عن شاب مبتور الساقين، وظنت أنه ما يزال حياً، قبل أن يخبرها زميلها بهدوء: “لقد استشهد”، فنظرت إلى جهاز المراقبة، فرأت الخط المستقيم الذي أعلن توقف القلب، تقول: “عندها لم أستطع أن أكمل يومها، وصعدت إلى المكتب باكية، وأنا أردد أن كمية الظلم التي يعيشها أهل غزة أكبر من أن يحتملها بشر!

 

نافذة حياة

 

ترى “سجود” في الكاميرا نافذةً تعيد للجرحى الأطفال شيئًا من براءتهم التي حاولت الحرب انتزاعها، وبين عشرات المشاهد المثقلة بالألم، بقي موقفٌ صغير عالقًا في ذاكرتها أكثر من كثير من المآسي؛ حين التقطت مقطعًا مصورًا لطفلٍ جريح، وما إن وجّهت الكاميرا نحوه حتى ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ عفوية، وحين شاهد نفسه في الشاشة، أخذ يضحك بدهشةٍ وفرح، كأنه يكتشف ملامحه للمرة الأولى بعد شهورٍ من الحرب.

 

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى