إنسانفلسطين وناسها

سبعُ رصاصات لمن رفض الخنوع

 

 

في شارع ديزنغوف، قلب فلسطين المحتلة، كان الشاب رعد خازم يمضي في طريقه نحو العملية التي ستغيّر حياة عائلته إلى الأبد..

في ذلك اليوم، لم يكن والده فتحي خازم، يعلم أن ابنه يقف على بعد مسافة من تنفيذ هجوم سيخلّف قتلى وجرحى، وأن اسمه سيصبح بعد ساعات حديث الإعلام، وأن بيت العائلة في المخيم سيغدو مقصدًا للناس.

كان الأب، قبل ذلك كله، يعيش يومه كأي أب ينتظر أبناءه ويقلق عليهم، لكن إحساسًا غامضًا ظلّ يختلج في صدره، شعور لا يجد له تفسيرًا !

 

فصول الحكاية

لم يكن يعلم أين رعد، ولا ماذا يفعل، ولم يخطر في باله أن الساعات المقبلة ستحمل إليه خبرًا سيقسم حياته إلى ما قبلَه وما بعده..

ثم جاء الصباح…

اتصال من الجانب الإسرائيلي، وخبر ثقيل وقع على البيت: منفذ الهجوم هو رعد خازم، ابنك..

في اللحظة التي عرف فيها الأب الحقيقة، صار الابن الذي غاب عن البيت حاضرًا في كل مكان، في الشاشات، وفي أحاديث الناس، وفي أزقة مخيم جنين التي سرعان ما امتلأت بالمتوافدين إلى منزل العائلة.

تجمّع الناس أمام البيت.. وجوه كثيرة، أصوات متداخلة، وأسئلة تبحث عن الأب الذي أصبح اسمه مرتبطًا باسم ابنه، فخرج الأب لحظتها إلى الناس، مدركًا أن ابنه أصبح رمزًا في نظر كثيرين، وأن قصة رعد ستفتح فصلًا جديدًا في تاريخ العائلة والمخيم..

وعلى باب بيته، تحولت لحظة انتظار التعازي إلى استقبال للمهنئين، فقد رفض أن تُختزل اللحظة في لغة الفقد وحدها، مستحضرًا ما رآه بطولة ومقاومة في فعل ابنه..

ومنذ ذلك الصباح، أصبح فتحي خازم شخصية عامة، وواحدًا من أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بخطاب المقاومة في مخيم جنين، بينما بقيت قصة رعد، وهجوم ديزنغوف، نقطة مفصلية في سيرة العائلة التي حملت معها تاريخًا طويلًا من المواجهة والنضال..

لكن حكاية العائلة لم تتوقف عند رعد، فبعد أشهر قليلة من استشهاده، عاد الاحتلال إلى بيت خازم في مخيم جنين، ولكن هذه المرة لم يكن الاقتحام بحثًا عن رعد؛ بل اقتحمت قوات الاحتلال المنزل، واندلعت المواجهات في المخيم، وسقط عدد من الفلسطينيين شهداء، كان بينهم عبد الرحمن خازم، نجل فتحي الآخر.

ومرة أخرى، تلقّى الأب خبرًا جديدًا من أخبار الدم، ولم يكتفِ الاحتلال بملاحقة أبنائه واحدًا تلو الآخر، بل أراد أن يحوّل البيت نفسه إلى ساحة مواجهة، وأن يجعل الفقد جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية لهذه العائلة!

وعلى امتداد سنوات، لم يترك الاحتلال عائلة خازم وشأنها، اقتحامات متكررة، مداهمات، اعتداءات، وملاحقة لأفراد الأسرة، في ظل حملات عسكرية متواصلة اجتاحت مخيم جنين والمدينة، ولم يكن عبد الرحمن آخر الأسماء التي حملتها العائلة في سجل الأسر والفقد؛ فابنته شيماء تقبع الآن في سجون الاحتلال الإسرائيلي، معتقلة منذ نحو عام، في سجن الدامون.

 

هو ابنُ زيدان خازم، ابنِ النكبة والنزوح، ووالدِ الأسير والمناضل، وُلد في مخيم جنين عام 1966م، غير أن حكاية العائلة بدأت قبل ولادته بسنوات؛ يوم أن اقتلع الاحتلال والده زيدان من أرضه، واعتقله وأبعده، قبل أن يستقر به المقام في مخيم جنين.

هناك، بين أزقة المخيم، نشأ فتحي وهو يحمل في بيته حكاية وطنٍ سُلب، وأبٍ ذاق الاعتقال والإبعاد، ومخيمٍ يشهد على النكبة والمقاومة.

 

سبعُ رصاصات

قبل أيام وفي ساعات الصباح الأولى، قتل الاحتلال صاحب الكلمة “فتحي خازم” ببيته وأمام أطفاله! وفي الساعات التي أعقبت استشهاده، تواصلت *منصة القدس 360* مع عائلة الشهيد، لتروي تفاصيل اللحظات الأخيرة من حياته؛ تفاصيل قالوا إنها ستبقى محفورة في ذاكرة طفله آدم إلى الأبد!

وبحسب رواية العائلة، أن قوات الاحتلال اقتحمت منزل خازم في ساعات الفجر الأولى، وخلعت باب المنزل، واستعانت بأحد الجيران درعًا بشريًا أثناء الاقتحام.
كان فتحي آنذاك أمام طفله آدم ذي الاثني عشر عامًا، حين وجّه جنود الاحتلال أمرًا إليه بأن يذهب سريعًا ويحضر هوية والده، فانطلق الطفل مذعورًا، لا يفكر إلا في شيء واحد: أن يعود بالهوية سريعًا، لعلّه يحمي والده من الأذى.

عاد آدم بالهوية، لكن المشهد الذي واجهه كان أقسى من أن يحتمله طفل، حيث طلب أحد الجنود من والده الاستسلام، وأمره بحركات مهينة من الانحناء وإدارة وجهه نحو الحائط، فرفض فتحي الخضوع.

وفي لحظات، دوّت الرصاصات داخل البيت، سبع رصاصات اخترقت جسده، وسقط أمام طفله، فيما امتلأت أرجاء المنزل بالدم مختلطًا بزيت الزيتون، وانتهت حياة الرجل الذي قال للجندي: “من أنت لأنحني لك؟”، فكانت سبع رصاصات ثمن رفضه الانحناء، فيما حمل طفله آدم من ذلك الصباح صدمةً نفسية عميقة،

 

أبٌ للمقاومين

لم يكن فتحي خازم ابنَ فصيلٍ واحد، بل كان أبًا للمقاومين جميعًا في مخيم جنين، حيث تتقاطع رايات الفصائل تحت وطأة الاحتلال، فاستطاع أن يكون جسرًا يصل بين أبناء المقاومة، وأن يردم ما قد تخلّفه الانتماءات التنظيمية من مسافات، وكان قريبًا من عناصر كتائب شهداء الأقصى وسرايا القدس وكتائب القسام، يسمعهم ويحتضنهم، ويجمعهم على المخيم، والوطن، ومواجهة الاحتلال.

 

أقوالٌ خالدة

على امتداد سنوات المواجهة ردد فتحي خازم عبارات تختصر حياة رجلٍ ذاق الاعتقال والفقد، ثم وقف أمام الاحتلال دون أن تنكسر عزيمته.

قالها بوضوح: “سنقاوم الاحتلال حتى آخر قطرة من دمنا”، وأن هدم البيوت لا يعني هدم الإرادة: «يهدمون البيوت ولن يهدموا عزيمتنا».

وحين كان الحديث عن أبنائه، كان يضع دمهم في سياق دم الشعب كله، قائلًا إن دماء ابنيه ليست أغلى من دماء أبناء فلسطين مستحضرًا أن زوجته قدمت شقيقيها الشهيدين محمد السعدي وعثمان السعدي، كما قدمت ابنيها!

 

أما عبارته التي تحولت إلى واحدة من أكثر كلماته رسوخًا، فجاءت ردًا على سياسة الاحتلال في ملاحقة المقاومين واغتيالهم:

“كل سنبلة ستُنبِت 100 مقاتل”!

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى