إنسانفلسطين وناسها

بين السماء والبحر..خيمة غزة في أمريكا

 

رأى التصوير رسالة وليس مهنة.. رسالة حمل بها ذاكرة غزة إلى العالم!
في الولايات المتحدة الأمريكية أقام “إسماعيل” معرضًا بالتعاون مع مؤسسة By Palestine ولم يكتفِ بعرض الصور على الجدران، بل أقام خيمة نزوحٍ فيه، خيمةً قماشيةً متواضعة، تشبه خيام النازحين في غزة بكل تفاصيلها، حتى يشعر الزائر أن النزوح ليس خبرًا يُقرأ، بل واقعًا يُعاش.

اختار لمعرضه اسم “ما بين السماء والبحر”، لأن غزة، في نظره، لم تعد المدينة التي يعانق بحرها الأفق، بل أصبحت محاصرةً بين سماءٍ تمطر القذائف وبحرٍ أُغلقت أبوابه في وجه أهلها! فقد أراد بهذه المحاكاة أن ينقل إلى العالم صورة الحياة اليومية في القطاع، لا من خلال الأرقام والإحصاءات، وإنما عبر وجوه الناس وحكاياتهم.

“إسماعيل أبو حطب” مصور صحفي ومخرج سينمائي فلسطيني، اشتهر بتغطيته الميدانية للحروب في غزة، نظم عدة معارض تصوير فوتوغرافية خارج قطاع غزة.

داخل الخيمة، علّق عشرات الصور التي التقطها منذ الأيام الأولى للحرب، أطفالٌ يلهون فوق الركام، وأمهاتٌ يطهون بالحطب أمام الخيام بعد أن فقدن بيوتهن، وشيوخٌ يحملون ما تبقى من أعمارهم في أكياس النزوح، وكانت كل صورة تحمل شهادةً على الألم، لكنها في الوقت نفسه توثق قدرة الغزيين على التشبث بالحياة رغم كل ما يحيط بهم.

في الشهر الثاني من الحرب أصيب بشظية ونزف، لكنه واصل التصوير، وحمل كاميرته من مأوى إلى آخر، لأنه كان يرى أن توثيق الحقيقة جزءٌ من مقاومة محاولات طمسها، ولم يكن يصور حياة الآخرين فقط، بل كان يوثق تجربته هو أيضًا، بوصفه نازحًا يعيش المأساة نفسها التي ينقلها للعالم.

حمل “إسماعيل” الكاميرا ليمنع الحقيقة من أن تُدفن تحت الركام، لأنه آمن أن العدسة تستطيع أن تحفظ ما تعجز الكلمات عن حمله، وأن كل صورة تلتقطها عيناه هي شهادةٌ على حياةٍ يحاول العالم تجاهلها وحين سنحت له الفرصة أن يخاطب العالم خارج حدود غزة، لم يأخذ معه صوره وحدها، بل حمل شيئًا من المدينة نفسها، ليجعل الآخرين يعيشون ما يعيشه أهلها كل يوم.

الفنانة الغزية “آمنة السالمي” رأت في معرضه شهادةً على صمود غزة، وآمنت أن الصورة تستطيع أن تعبر الحدود وتقول ما يعجز عنه العالم، فجمعهما حلمٌ مشترك بتأسيس متجر إلكتروني يعرض لوحاتها المستوحاة من غزة وصوره التي وثقت الحرب، ليصل صوت المدينة إلى أبعد مكان.

غير أن الحرب لم تمهلهما، ففي أحد الأيام التقيا في كافتيريا الباقة بمدينة غزة، وكانت آمنة تحمل لوحتها الأخيرة، بينما كان هو يبحث عن اتصال بالإنترنت لإرسال صوره إلى الخارج

جلسا يتحدثان عن مشروعهما، لكن القصف باغتهما قبل أن يرى حلمهما النور، فانقلبت الطاولة، وتناثر كل شيء، وبقيت في ذاكرته آخر لوحة رسمتها آمنة، كما بقيت في عدسته آخر صورة التقطها قبل أن يحطمها صاروخ!

رحل إسماعيل، لكن خيمة غزة التي شَيَّدها في قلب أمريكا لم تُرْخِ أطرافها؛ ظلّت مفتوحة الأبواب تستقبل المتضامنين، ليطأوا الحقيقة بأقدامهم، ويزيحوا الستار عن غزة كما أرادها أن تُرى: لا مشهداً عابراً على الشاشات، بل واقعاً حياً يُعاش داخل خيمة نزوح.

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى