أهدت تفوقها لروح جدِّها الشهيد
حمل حفيدته إسلام بين ذراعيه يوم ولادتها
كان يطيل النظر في عينيها اللامعتين، ثم يبتسم ويقول: “هذه الطفلة عيونها لامعة جدًا وهذا دليل على ذكائها”..
قرابة أربعين عامًا أمضاها جدها “عدنان جراد” معلّمًا للأجيال، يعرف تمامًا أن الأحلام في غزة لا تُقطف بسهولة، وأن الوصول إليها يحتاج من أبنائها ما يفوق الجهد، ويحتاج صبرًا يشقّ طريقه بين الحصار والحروب والخوف، لكنه رغم ذلك، كان يرى في إسلام استثناءً جميلًا، حفيدةً رسم لها مستقبلًا مملوءًا بالنجاح منذ طفولتها، كما كان يراقبها تكبر عامًا بعد عام، وتعود من مدرستها تحمل شهادات التفوق، فيزداد يقينًا أن الأيام تخبئ لها مكانًا بين المتفوقين.
وكلما اقترب موعد إعلان نتائج الثانوية العامة، يتخيّل المشهد الذي انتظره طويلًا، الكاميرات تلتف حول حفيدته المتفوقة، والميكروفونات تمتد إليها، وهي تروي قصة نجاحها، بينما يقف هو إلى جوارها، يملأه فخرٌ لا تسعه الكلمات، يحلم باليوم الذي يعلّق فيه على صدرها باقة الورد، ويقول للجميع: “هذه حفيدتي”!
لكن في غزة، كثيرًا ما تسبق الحرب الأحلام
جاءت الإبادة، وجاء شهرها الثاني محمّلًا بالمجازر، فاغتال الاحتلال جدها.. الرجل الذي أفنى عمره يصنع مستقبل الآخرين، ولم يبخل يومًا على أبنائه وأحفاده بكلمة تشجيع أو دعاء أو احتضان، رحل قبل أن يرى الحلم الذي ربّاه يكبر، وقبل أن يشهد لحظةً انتظرها سنوات، لحظة إعلان نجاح حفيدته “إسلام شعبان” التي آمن بها منذ كانت طفلةً تلمع عيناها بالحياة..
وحين أُعلنت النتائج، حققت إسلام ما كان يتمناه لها؛ حصدت 99.6%، لتكون من أوائل الطلبة، لكن الفرح جاء ناقصًا، بحثت بعينيها عن جدها بين الوجوه، وتمنت لو أنه يقف كما اعتاد، يفتح ذراعيه، يعانقها، ويلتقط معها صورة العمر، تنقصها يدٌ اعتادت أن تربت على كتفها، وصوتٌ طالما همس لها: “ستكونين طبيبة المستقبل”
تقول “إسلام” لمنصة القدس 360: “لم يكن هذا المعدل وليد ظروفٍ طبيعية، بل انتزعته من قلب الإبادة، فمنذ الشهر الأول للحرب نزحنا من بيتنا، ثم أحرق الاحتلال منزلنا بالكامل، ولم يبقَ لنا شيء، كنت أحمل كتبي معي في كل رحلة نزوح، من مكانٍ إلى آخر، كما تحمل الأم طفلها الوحيد؛ أخشى عليها من المطر، ومن الغبار، ومن القصف، وأحرسها بكل ما أملك، لأنني كنت أرى فيها مستقبلي، وأرى فيها الحلم الذي أوصاني جدي ألا أتخلى عنه، ولم تكن الدراسة سهلة وسط الخوف وأصوات الانفجارات، لكنني كنت أؤمن أن الاحتلال يستطيع أن يحرق البيت، لكنه لا يستطيع أن يحرق حلمًا يسكن القلب”.
وتتابع إسلام حديثها لمنصة القدس 360: “كان اليأس يتسلل إليّ كل يوم، وكنت أسأل نفسي مرارًا: هل سأتمكن فعلًا من تحقيق حلمي؟ وهل سأستطيع أن أفرح أهلي بمعدل يليق بكل ما تحملوه؟” وتؤكد في حديثها أن الطريق لم تكن لتقطعه وحدها، فقد كانت والدتها المعلمة “منيرة جراد” السند الذي لم يتخلَّ عنها لحظة، تتابع دراستها يومًا بيوم، وتحيطها بالكلمات التي تعيد إليها ثقتها كلما أوشكت على الانكسار، أما والدها الإعلامي “شعبان جراد” فكان كما تقول، العون الأكبر في أصعب اللحظات، يمنحها الدعم النفسي الذي احتاجته لتقاوم الخوف والقصف، وتواصل السير نحو حلمها، حتى حققت معدل 99.6%.
وحين أعلنت النتائج، رأت “إسلام” في نجاحها ثمرة تعب أسرتها كلها، فأهدت تفوقها إلى والديها اللذين سهرا معها، وتقاسما معها الخوف والقلق قبل أن يتقاسما فرحة النجاح، أما حلمها، الذي ظل يرافقها منذ سنوات الدراسة الأولى، فما زال كما هو؛ أن تلتحق بكلية الطب، وأن تواصل الطريق الذي رسمته لنفسها، وفاءً لحلم جدها الذي آمن بها قبل الجميع.
وكحال كثيرٍ من الغزيين الذين سرقت الحرب أحبّتهم قبل مناسباتهم السعيدة، لم تستطع إسلام أن تتخيّل يوم نجاحها من دون جدها، فاستعانت بالذكاء الاصطناعي ليعيده إليها في صورةٍ واحدة؛ يقف إلى جوارها، يبتسم كما كان يفعل دائمًا، ويشاركها اللحظة التي انتظرها طويلًا!




