ذاتَ فجرٍ في الأقصى بعد غياب!
احتشدوا على الباب. كما تحتشدُ الدموعُ في المآقي قبل أن تنهمر… وجوهٌ أنهكها الانتظار، والتصقت بخشب الأبواب تنتظر فتحَها بعد أربعين صباحًا مرت عليهم وصفها أحدهم كأنها “فراق الوالدين”!
كانوا يمرون من طرقات المدينة فارغة، ويرمقون قبابها من بعيد ويعتصرون وجعًا، وفي ذلك الفجر الذي فُتح فيه الباب، شعروا بشقشقة الروح كأنهم أرواحهم تولد من رحم العتمة.
وما إن تحرك الباب حتى ارتجف الجموع المنتظرة، وانفتح الباب ببطء، لكنه في قلوبهم انفتح دفعةً واحدة، واندفعت أرواحهم نحو الصلاة على أرض الأقصى، رجالٌ ونساءٌ وشيوخٌ وشباب، بعضهم يلهث، بعضهم يبكي، وبعضهم يبتسم بدموعٍ حارّة، فكانوا غرقى يندفعون نحو نجاتهم.
رصدت منصة القدس 360 هذا المشهد، فقد كان أكثر من عودة إلى المسجد، وبدا ذاك الفجر مختلفًا، لأن الشروق يومها كان في قلوبهم.
عند الباب، وقف الحاج “إسماعيل الكرد” كما اعتاد منذ عشرات السنين، في يده باكية مناديل، بسيطٌ كهيئته، يحمل في قلبه حكايات طويلة لوجوه أحباب الأقصى.
كان صوته معروفًا:
“صلّوا على النبي. صلوا على النبي”
يقولها بابتسامةٍ، ويوزع المناديل على الداخلين واحدًا تلو الآخر، وفي ذلك الصباح كان المشهد مختلفًا، وجوه دامعة وخطوات متسارعة، بينما وقف هو ينظر إلى الوجوه التي تبللت عيونها، والرجال الذين كانوا يمسحون دموعهم دون خجل، والنساء اللواتي يخفين وجوههن خلف الأكف المرتجفة، وقال: “يمسحون بالمناديل دموع الفرح”!
وعلى مقربةٍ من الأبواب، كان شبابُ القدس وفتياتها يكتبون على لوحات بيضاء أسماء المشتاقين المحرومين من زيارة الأقصى، يكتبون عبارةً واحدة تتكرر في كل صورة،لكنها في كل مرة تبدو جديدة كأنها وُلدت للتو: “الأقصى يشتاق لك“.
بينما عاد المصور المقدسي “عيسى القواسمي كطير يعود للتو إلى عشه بعد غياب، رفع كاميرته بلهفة لافتة يلتقط المشهد الأول لفجر الأقصى وهو يُولد من جديد، ويصور العجائز وهم يشكرون الله ويرفعون رؤوسهم نحو السماء شاكرين أن هذه الشدة لم تطل، فلاحقت عدسته التفاصيل الصغيرة كالأيدي المرتجفة والعيون الدامعة والأطفال المتلهفون للصلاة على بلاط الأقصى.
كانت المرابطة نفيسة خوصي بين الحشود، تسير بخطواتٍ مثقلةٍ بالشوق، فأربعون يومًا من البعد لم تكن عندها مجرد أيامٍ تُعدّ، بل كانت أيامًا قاسية وطويلة من الحنين،لكنها تفاجأت من عنجهية الاحتلال حين طردها والمبعدين من طريق المجاهدين، فشعرت أن باب الأمل أغلق في وجهها وهي على عتبة الحلم! فمنذ شهور تواصل “خوصي” رباطها عند أقرب نقطة للمسجد الأقصى، كما تواجه اعتقالات، إبعاداً متكرراً، واعتداءات جسدية من قوات الاحتلال، لكنها تصر على التواجد عند أقرب نقطة (مثل باب الأسباط وجبل الزيتون) رغم المنع، مدافعة عن حقها بالعبادة.
وفي البلدة القديمة بالقدس. عادت الحياة إلى صباحات القدس، نساء يحملن سلال الخبز، ويعبر أطفال بوجوه ناعسة، وتفوح رائحة البن والكعك المقدسي في الأزقة القديمة، بينما يحيي التجار بعضهم بعضًا بعبارات الصباح، وتعلو الأهازيج الشعبية المقدسية في السوق، وحين فُتحت المحال التجارية، كن كل باب يفتح ليس مجرد متجر، بل نافذة على ذاكرة طويلة وحكايات عتيقة!




