بين تكبيرات العيد نزفت غزة
كبر الناس على جبل عرفة، وارتفعت الأكفُّ البيضاء إلى السماء ترجُو الرحمة والمغفرة، بينما كانت غزة تُكبِّر وحدها فوق الركام، فوق المآذن المكسورة، وفوق البيوت التي صارت قبورًا لهم، وتلفُّ أبناءها بالأكفان البيضاء واحدًا تلو الآخر.
في يومٍ ضجّت فيه الأرض بنداء: “لبيك اللهم لبيك” كانت غزة ترفع نداءً آخر أكثر وجعًا، وأكثر اختناقًا، نداءً يخرج من الحناجر المبحوحة تحت القصف، ومن الأمهات اللواتي لم يجدن وقتًا للبكاء، ومن الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم تحت صوت الطائرات.
كبر العالم في المساجد، أما غزة فكبرت على أبواب المستشفيات، وفي ساحات الدفن، وبين أذرع الآباء الذين يحملون أبناءهم للمرة الأخيرة، لا إلى صلاة العيد… بل إلى القبور.
حتى المآذن التي اعتادت أن تُعلن العيد في غزة، لم تسلم من القصف، فصارت التكبيرات تخرج من حناجر الناس مباشرة، وفيما وقف الحجاج على صعيد عرفة يرجون العفو، كانت غزة تقف على صعيد الألم وحدها، تصعد بأشلائها إلى الله، وتقول بصمتٍ موجع:
“أيُّ ذنبٍ اقترفناه حتى يُترك أطفالنا بين المجاعة والقصف والحصار”؟
وما إن أقبل المساء عشية العيد، وازدحمت الأسواق بالناس المتكئين على وجعهم، المتعالين على جراحهم، الخارجين من بين الركام ليُحيوا ما تبقّى من شعائر الله، كان للاحتلال رأيٌ آخر في فرحة غزة.
في سوق الرمال، ذلك المكان الذي اعتاد أن يضجَّ بالحياة قبيل العيد، تتشابك أصوات الباعة مع ضحكات الأطفال، وحيث تمسك الأمهات بأيدي صغارهن ليشتروا ثيابًا جديدة علّهم ينتزعون من الحرب لحظة فرحٍ صغيرة، نزل الموت فجأةً من السماء.
قصف الاحتلال بيتًا وسط السوق المكتظ، فتحولت الأزقة التي امتلأت قبل دقائق بروائح العيد وألوان الملابس وبهجة الفساتين المزركشة إلى ساحةٍ دامية من الأشلاء والصراخ والدخان، فتناثرت الأجساد فوق البضائع، واختلطت الدماء بثياب الأطفال المعلّقة، وسقطت أكياس الحلوى بجوار الشهداء! كأن الاحتلال أراد أن يقول لغزة: “حتى الفرح ممنوع،
وعيدك تحت القصف”.
في سوق الرمال، دخلت طفلتان إلى محلّ الملابس بخطواتٍ مبتهجة، تتأملان الفساتين بعينين أرهقتهما الحرب قبل العمر، بينما كانت عمتهما تقف خارج المحل، تراقبهما بحنانٍ تحاول أن تصنع لهما عيدًا سعيدًا بعد أن قتل الاحتلال والدهما.
في الداخل، كانت الطفلتان تتفحصان الملابس ببراءةٍ مرتبكة، تسألان عن اللون الأجمل، أما في الخارج، فكان الموت يقترب بصمتٍ ثقيل..
لحظةٌ واحدة فقط، وتحوّل السوق إلى شلال دماء، دوّى القصف، وارتجفت الأرض، وتناثر الزجاج والحديد والصراخ في كل اتجاه، فخرجت الطفلتان مذعورتين تبحثان بعينيهما الصغيرتين عن عمتهما، لكنهما لم تجداها واقفةً كما تركتاها، وجدتا أشلاءً متناثرة على الأرض، قطعًا من جسدٍ كان قبل ثوانٍ فقط يبتسم لهما.
كان ثوبها ملطخًا بالدم، وحقيبة العيد ممزقة تحت الركام، والناس يركضون حولهما فيما وقفتا عاجزتين عن فهم كيف يمكن للحياة أن تنقلب إلى هذا الحد من الرعب في لحظة واحدة.
كبرت الطفلتان في تلك الثانية أعوامًا كاملة، فبعد أن سرقت الحرب أباهما، جاءت لتسرق آخر يدٍ كانت تحاول أن تربّت على يتمهما، وأصبح العيد الذي خرجتا تبحثان عنه بين الفساتين معلقًا فوق الدم والدخان والأشلاء!
وفي خضمِّ الدم، وسط الصراخ المتشابك مع التكبيرات، كانت طفلةٌ صغيرة تمسك بيد أختها المرتجفة وتمشي بين الجثث بخطواتٍ مذعورة، تحدّق في الوجوه المغطاة بالغبار والدم، ثم تهزُّ رأسها سريعًا كلما اقتربت من شهيد، وتقول بصوتٍ مخنوقٍ يرتجف من الخوف:
“لا، إلا هيّا، لا، إلا هيا، إلا إمي”
تشدُّ على يد أختها أكثر، وتمشي بين الأشلاء والركام، بعينين اتسعتا من هول ما ترى، بينما الدم يسيل تحت قدميها الصغيرتين في ليلةٍ كان يفترض أن تمتلئ بالفرح لا بالمجازر، ترفض أن تصدّق أن أمّها قد تكون واحدةً من هؤلاء الممددين على الأرض، كما ترفض أن تكون ليلة العيد… ليلة يتمٍ جديدة.
وفي مكانٍ آخر من الغربة، وعلى ضفةٍ أخرى من وجع الفقد، كانت زوجةُ الشهيد الصحفي إسماعيل الغول تحاول أن تُبقيه حيًّا في قلب طفلته، كما كان دائمًا حاضرًا في تفاصيل العيد الصغيرة، في العيدية، والضحكة، ودفء اليد.
مدّت الأم يدها بالعيدية إلى طفلتها، وقالت: “هاي من بابا”، فاحتضنت الطفلة الورقة الصغيرة ، ثم دعت بدعاءٍ مزّق قلب أمّها: “يارب… نزّل بابا من الجنة، وخليه ييجي عنا في العيد”!
في تلك اللحظة، لم يكن العيد سوى أب تتمنى طفلتُه أن يعود ليطرق الباب، ويجلس بينهم ليلة العيد، ولو لمعجزةٍ واحدة.




