إلى مصر مرة أخرى.. “محمد” يجرُّ حقائب الفقد!
هل تتخيّل أن تقف الحياة كلها على بُعد عشر دقائق فقط؟! عشر دقائق تفصل بين قلبٍ أنهكه الغياب، ووجهٍ انتظرته ثلاث سنوات كاملة، كأنها ثلاثة أعمار من الشوق والحنين؟
وهل تتخيّل أن تعرف يقينًا أن حبيبك في الطريق إليك، وأن خطواته تقترب منك، وأن المسافة بينكما بدأت تتآكل أخيرًا، وأن الأبواب التي أغلقتها الحرب ستُفتح بعد قليل..
ثم فجأة…
يسبق الصاروخُ اللقاء؟
هل تعرفُ القسوة التي تجعلُ القدر يرفعُ الإنسان إلى ذروة الفرح ثم يسقطه في قاع الفقد في اللحظة نفسها؟!
ينزف قلب “سندس أبو شمالة”، الغزية التي غابت عن غزة ثلاثة أعوام ثم عادت إلى زوجها، وقبل دقائق من اللقاء اغتالته طائرات الاحتلال، تقول: “ربما كان يفكّر في شكل اللقاء، في الكلمات الأولى المرتبكة، في الضحكة التي ستخرج باكية من فرط الشوق، في صورته مع ابنه الذي غاب عنه وهو في عمر سبعة أشهر، ثم عاد إليه في عمر الرابعة تقريبًا”.
لكن الحرب كانت أسرع، صاروخ واحد فقط…كان كافيًا ليحوّل الطريق إلى وداع، والانتظار إلى مأتم، والأمل الذي عاش ثلاث سنوات كاملة إلى جثمانٍ محترق! وأطفئت المسافة الأخيرة بالدم!
في حرب إبادة غزة.. لا يموت الناس فقط! بل تموت التفاصيل الصغيرة التي كانوا يخططون لها: اللقاء المؤجل، الكلمات التي لم تنطق بعد، الرسائل التي لم تفتح، ودموع الفرح لحظة العناق، تدرك ذلك حين تروي الغزية “أبو شمالة” لمنصة القدس 360 ما حدث معها: “عدتُ إلى غزة برفقة طفلي الوحيد محمد، والذي غادرها وهو بعمر صغير، ومتحمسًا للقاء والده الذي لم يعِ وقت وداعه، كنت أسير به إلى الصالة الفلسطينية، فقد وصلنا بالإجراءات لختم الجوازات في الصالة المصرية، وعلى الطرف الآخر زوجي ينتظرنا يعد الدقائق عدًا”.
في المكالمة الأخيرة أوصت “سندس” زوجها ألّا يأتي إلى المعبر، فالقصف والاغتيالات لم تتوقف في غزة، ولم تكن تعرف أن تلك المكالمة ستكون الوداع الأخير!
ختمت سندس أبو شمالة جوازات السفر أخيرًا في الصالة المصرية، ومضت نحو معبر الفلسطينيين، تحمل طفلها محمد، وتحمل معه سنواتٍ كاملة من الانتظار والشوق والحنين..
وفي تلك اللحظات التي كانت تشبه اقتراب الحلم من التحقق، رنّ الهاتف فجأة، فظنّت سندس أن أهلها يريدون الاطمئنان عليها، أنهم يسألون: هل عبرتم؟ هل اقتربتم؟ هل بقي الكثير؟
أجابت على المكالمة
وكان الصوت في الجهة الأخرى مرتبكًا، ثم سقط الخبر دفعةً واحدة:
زوجك
كان في طريقه إلى المعبر لاستقبالكم
لكن الاحتلال اغتاله قبل أن يصل!
تقول لمنصة القدس 360: “انهار كل شيء في لحظة، الرحلة التي بدأت بالشوق، واللقاء الذي ظلّ معلقًا لسنوات، والأحلام الصغيرة التي خبّأتها في قلبها لطفلها، أيُّ قلبٍ يستطيع احتمال هذه اللحظة؟ ليتحول الطريق الذي مشت فيه بكل هذا الشوق إلى طريق عزاء”!
وراحت في دوامة الأسئلة أمام بكاء طفلها: “كيف يمكن لأمّ أن تنظر إلى طفلها في تلك اللحظة؟ كيف تخبر محمد أن والده الذي كان ينتظره على الطرف الآخر من المعبر لن يفتح ذراعيه له أبدًا؟ أن الرجل الذي ظلّ يحلم بهذا العناق ثلاث سنوات، قتلته (إسرائيل)”..
لم تبكِ “سندس” زوجها الذي غاب فقط، بكت على لقاءٍ كامل كانت تعيشه في خيالها منذ سنوات، بكت زوجًا كانت المجالس تضجّ بطيب سيرته، رجلًا أحبّه الناس لخفّته ونبله وهدوئه، وأحبته فلسطين لأنه أحد أبطالها في ساحات المعارك، بكته لأنه لم يكن مجرد زوج، بل سند العمر كله.
كما تسارعت القلوب قبل الألسنة في الحديث عن “إبراهيم”، هذا يتحدث عن الإمام الحافظ الذي كان القرآن يسكن قلبه، وذاك يروي عن خُلقه الهادئ، وعن قلبه الذي لم يُعرف عنه إلا اللين والرحمة، تحدثوا عن العابد الزاهد المتواضع الشجاع، عن الزوج الحاني، الأب المثالي، الأخ المعطاء، والابن البار!
أما محمد، طفل من أطفال غزة فقد كبر أخيرًا ليعرف معنى أن تقتل “إسرائيل” أبًا، وأن تيتم طفلًا كان يحلم بصورة، بعناق، باكتمال الأحلام، حتى الصورة التي تمنّاها طويلًا، وجلس يرسمها في خياله مرات كثيرة قد عجز الواقع عن منحه إياها، صنعتها له أمه بالذكاء الاصطناعي، صورةٌ حلمت بها ثلاث سنوات كاملة!
أما محمد…
فقد عاد إلى مصر
يجرُّ حقيبة اليتم
والقهر
لا حقيبة الأحلام!




