إنسانفلسطين وناسها

الطبيبة “سارة الكحلوت”.. حين يمشي الحلم رغم البتر

 

ما لم يغب أبدًا، هو صوت الانفجار.. ذلك الصوت الذي انغرس في ذاكرتها كحدٍّ فاصِلٍ بين عالمين، حين اقتحمت الطائرات المسيّرة الشقة التي تتواجدُ فيها سارة، ومعها الشقة التي تعلوها، ثم انفجرت، فاندفع كل شيءٍ خارج مكانه؛ الجدران، الأجساد، والهواء نفسه

 

كان ذلك النزف بداية القصة التي ترويها صاحبة الحكاية سارة الكحلوت لمنصة القدس 360، الطبيبة التي سرقت الحرب من جسدها قدمًا، لكنها لم تستطع أن تنتزع من روحها حلم الطب.. فكانت قبل الإصابة طالبةً تمضي بخطواتٍ واثقة نحو تخرجها، تحمل حقيبتها بين قاعات الدراسة وأروقة المستشفيات، تحفظ أسماء الأدوية كما تحفظ طريق أحلامها، وتؤمن أن الطب رسالة رحمة قبل أن يكون مهنة.

 

لكن لحظةً واحدة في حرب الإبادة كانت كفيلة بأن تغيّر مسار الطريق كله، استقبلت سارة خبر بتر قدمها بصدمةٍ ثقيلة، كأن العالم توقف فجأة عند تلك اللحظة الفاصلة بين ما كانت عليه وما ستصبحه لاحقًا.. فلم يكن الألم ألم الجسد فقط، بل ألم الفقد، وألم الأسئلة التي تدفقت في رأسها: كيف ستكمل الطريق؟ كيف ستقف من جديد في وجه الحياة؟

 

أما مع الأيام، بدأت ملامح الحكاية تتغير.. لم تتراجع سارة عن حلمها، بل أعادت رسمه من جديد، فمشت في طريقها بطموحٍ أكثر صلابة، لا كطالبة طب فحسب، بل كامرأة تعرف معنى الألم الذي يمر به مرضاها، فصارت ترى في كل جرحٍ قصة، وفي كل مريض إنسانًا يحتاج إلى يدٍ تفهم وجعه قبل أن تعالجه.

 

كما لم تعد الطبيبة التي تقف على مسافةٍ آمنة من الألم، بل أصبحت واحدةً ممن ذاقوه، فهي الآن الطبيبة والمجروحة في آنٍ واحد؛ تسمع أنين المرضى فتفهمه، ترى خوفهم فتتذكر خوفها الأول، وتمنحهم من تعاطفها ما لا تمنحه الكتب ولا المحاضرات.

 

عادت “سارة” في حديثها إلى الأيام الأولى بعد إصابتها، فلم تكن الذاكرة سوى شظايا مبعثرة، تلمع وتخبو دون انتظام.. ولم تحتفظ إلا بموقفين عابرين، بينما غابت بقية التفاصيل في ضبابٍ كثيف من الغياب لثلاثة أيامٍ كاملة، كانت حاضرةً بجسدها وغائبةً بوعيها، لا تملك من تلك الفترة سوى لقطاتٍ خفيفة، وقبل أن تبدأ برايتهما عرَّفت عن نفسها: ” أنا سارة مجدي الكحلوت، عمري 24 سنة، بنت المهندس مجدي الكحلوت والدكتورة إلهام شاهين”.

 

تقول سارة: “حين حدث القصف هبطت من الطابق الأول إلى البدروم تحت الأرض، بينما تراكم الركام فوقي، ومن تلك اللحظة، لم يبقَ في ذاكرتي سوى صوت الانفجار، ثم وجدت نفسي داخل سيارة الإسعاف، تُنقل من مستشفى الشفاء إلى المستشفى المعمداني لإجراء صورة طبقية”.

 

هناك، وسط الألم والارتباك، طلبت منهم أن يثنوا ساقها، فجاءها الرد بأنها مكسورة، لكنها بيقينٍ غريب، رفضت تصديقهم، وأصرت: “ليست مكسورة… أعرف أنها مبتورة”!!

 

ثم غابت عن كل شيء من جديد

 

وبعد ثلاثة أيام، استيقظت “سارة” من الغياب عن وعيها، تصف المشهد: “أول ما وقعت عليه عيناي كان أمي، مستلقيةً إلى جواري، جسدها ملفوف ومحترق، فيما وقفت خالتي أمامها، تحمل في عينيها قلقًا وخوفًا لا يمكن إخفاؤه، نظرت إليهما طويلًا، ثم قلت لهم بهدوءٍ: “معلش… سبقتني للجنة”، وأعرف أن إخوتي شمس ويوسف استشهدا، فبكيت طويلًا أنا وأمي، أما الأيام التي لم أتذكرها، فقد قيل لي إنني كنت خلالها مستيقظة، لكنني غائبة عن الإدراك، تحت تأثير مسكناتٍ قوية كالمورفين والترامادول والبيثيدين، ولم أكن أعرف ماذا قلت أو كيف تصرفت، لكنهم أخبروني أنني كنت راضية، وأن لساني لم يفارق الحمد”.

 

لم يكن استيقاظ “سارة” عودةً عادية إلى الحياة، بل دخولًا إلى حياةٍ أخرى تمامًا… وهناك، على سريرها، أدركت أن حياتها انقسمت فعلًا إلى شطرين: ما قبل… وما بعد، فلم يكن الفقد مجرد إصابة، بل تحوّلًا قاسيًا في الجسد والمعنى؛ ساقٌ مبتورة من فوق الركبة، وهو بترٌ أشدّ قسوةً وثقلًا، وكسرٌ منزاح في الحوض، وآخر في أسفل العمود الفقري، تقول: “كنت وقتها منوعة من الحركة، مُلزمة بالبقاء ممدّدة، وحين فتحت عيناي، لم يكن المشهد مجرد وجعٍ جسدي، بل صدمة إدراك، لا أستطيع النهوض، لا أستطيع الحركة، الألم يحيط بي من كل جانب، وساقي… لم يعد هنا”.

 

في تلك اللحظة، شعرت بوضوحٍ جارح أن “قبل” قد انتهت، وأن “بعد” قد بدأ، فصلٌ جديد لا يشبه ما عاشته، فصلٌ لا تعرف كيف ستكتبه، لكنها وجدت نفسها تهمس في داخلها: “الحمد لله أنني عشت ما قبل… ويا رب أعنّي على ما بعد، وارضني به، وافتح لي فيه أبواب القوة”

 

ومع ثقل الفكرة، كانت تحاول أن تُعيد ترتيب علاقتها بجسدها، لا بوصفه ملكًا لها، بل أمانة، تسترسل بنبرة قوية: “كنت أتمسك بهذه القناعة كمن يتمسّك بطوق نجاة: الجسد أمانة عند الله، كما الروح أمانة، وهو وحده من يملك أن يُبقي أو يأخذ، أن يُنقص أو يُتمّ، قد يذهب إصبع، أو ظفر، أو جزء، أو عضوٌ كامل… لكنه في النهاية تصرّف المالك في ملكه، وبين هذا الفهم والإيمان، كانت تحاول أن تبقى ثابتة، متشبثةً برضاها، تقاوم الانكسار بفكرةٍ واحدة: أن ما أُخذ منها، لم يكن إلا بإذن من الله، وأن ما تبقّى، يكفي لتبدأ من جديد”، فلم تُنكر أنّ لحظاتٍ ثقيلة مرّت عليها، لحظات تسلّل فيها السؤال المرّ: لماذا أنا؟ ولماذا الآن؟ وأنينٌ خافت يقول: لقد تعبت!

 

كانت “سارة” تعترف أنّ هذه الخواطر تأتي، لكنها كانت ترى فيها ومضات غضبٍ عابرة، أو همساتٍ عابثة، لا تلبث أن تنكسر أمام يقينها، ما إن تستعيد وعيها حتى تستغفر، وتعود لتردّد في داخلها أنّ هذا الجسد لم يكن يومًا ملكًا خالصًا لها، بل أمانة، وأن ما أُخذ منها لم يكن سلبًا، بل اختيارًا إلهيًا سيُفتح لها به طريقٌ لم تكن لتسلكه بقدميها الاثنتين، تكمل: “كنت أؤمن أن الله، الذي أخذ، سيمنح، وأنني سأسير في حياتي بساقٍ واحدة—نحو أبوابٍ لم تكن تُفتح لي من قبل”.

 

هذا الإيمان لم يكن معزولًا عن واقعٍ أكبر؛ فقد رأت في فقدها معنى يتجاوز ذاتها، معنى يمتد إلى قضيةٍ أوسع، إلى أرضٍ ما زالت تنادي أهلها… تُهوّن على نفسها بأن ما قدّمته لا يُقارن بما قدّمه غيرها، أولئك الذين بذلوا أرواحهم وأمانهم وأحلامهم، فبدا لها أن ما فقدته، على قسوته، يظلّ قليلًا أمام تلك التضحيات العظيمة.

 

بدفء في حديثها بدا جليًا تروي “سارة” أنها لم تكن في خضم هذا الألم وحدها!

 

“حولي عالم كامل من الأيدي التي لم تتركني أسقط، عائلتي كانت خطّ الدفاع الأول؛ والدي، ووالدتي التي كانت ترقد مصابة إلى جواري، وإخوتي الذين توزّعت إصاباتهم بين المستشفيات، لكنهم لم ينقطعوا عني، أختي التي نجت، كانت تعبر المسافات يوميًا بين مستشفيين، تقطع ساعةً ونصفًا أو أكثر، حاملة الطعام والاطمئنان، تجمع شتات العائلة بين سريرين، حتى أخي المصاب، كان يرسل لي مقاطع مصوّرة يوميًا، وكأننا نتشبثُ بالحياة عبر شاشةٍ صغيرة، وخالي الذي احتضنني في خيمته وجهزها لي ولم يسمح لي أن أجلس وحدي”

 

ثم كان الأصدقاء… أولئك الذين حوّلوا الألم إلى مساحة مقاومة، فبعضهم سعى لتحويلها للعلاج، يتحرّك بالنيابة عنها حين كانت غائبة، يجمع الأوراق ويطرق الأبواب، وبعضهم اختار أن يقف عند رأسها، لا بالكلمات فقط، بل بالفعل؛ كانت “حلا” إحدى صديقاتها تأتيها يوميًا في ذروة الامتحانات، تجلس فوق رأسها وتقرأ لها الدروس، رغم أنها لم تعتد الدراسة بصوتٍ عالٍ، لكنها فعلت، فقط لأجلها..

 

كما صديقةٌ تمسك بيدها كيس الدم لساعات لأن لا حامل له، وأخرى تترك دوامها لتأتي، وأصدقاء يحيطون بعائلتها دعمًا ومساندة، وكانت ترى في كل ذلك سببًا إضافيًا للبقاء، دليلًا على أن خيار الاستسلام لم يكن مطروحًا أصلًا… تقول: “لم يسمحوا للاستسلام أن يكون في رزنامة أيامي، فقد شطبوه من قاموسي قبل أن أفكر به”.

 

 

تقول “سارة”: “لم يكن خيار الانعزال متاحًا لي، ولا حتى فكرة الاستسلام للانكسار، فكلما حاول الحزن أن يدفعني نحو الوحدة، كنت أجد من يسبقها إليها؛ أبناء خالتي، وخالي، ووالدي، جميعهم يحيطون بي كدائرةٍ لا تسمح لها بالسقوط، وكانوا يرفضون أن أبتعد، يردّونني إلى الحياة كلما حاول الألم أن يسحبني بعيدًا”.

 

أكملت سارة مشوارها في دراسة الطب، وحين جاءت الامتحانات، كان الأمر صعبًا، جسدٌ مثقل بالإصابة، وممنوع من الحركة، لا تستطيع الجلوس ولا مغادرة فراشها، لكن الإرادة كانت تُقاوم، وهناك، ظهر وجهٌ آخر للدعم؛ المعيدون الذين تعاونوا معها، ورئيس قسم الجراحة، الدكتور محمود عيد، الذي لم يتعامل مع حالتها كاستثناءٍ معيق، بل كحالة تستحق أن تُمنح فرصة، تقول سارة: “بفضل تلك التسهيلات، فُتح لي بابٌ لم يكن ليفتح في الظروف العادية، سُمح لي أن أقدّم امتحاناتي وأنا على فراشي، في خيمتي، تحت إشرافٍ مباشر، في وقتٍ كانت فيه الامتحانات ورقيةً تتطلب حضورًا كاملاً، وبفعل هذا الدعم، لم أتأخر عن حلمي إلا قليلًا، ثمانية أيام فقط فصلتني عن دفعتي، لكنها كانت كفيلة بأن تُعلن انتصاري”.

 

لم يكن قرار المقاومة مؤجّلًا في حياتها، بل وُلد معها في اللحظة الأولى التي استعادت فيها وعيها، حين همست: “سبقتني للجنة”، فكانت قد حسمت أمرها دون أن تدري؛ ولم تعد ترى ما فقدته بقدر ما كانت تتعلّق بما ينتظرها، وكأنها وضعت قدمها -ولو كانت واحدة- على طريقٍ لا عودة فيه إلى اليأس، فمنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: هل سأقاوم؟ بل كيف سأكمل الطريق.

 

ومن هناك، بدأت رحلة أخرى، لا تقل قسوة عن الأولى؛ رحلة العلاج خارج غزة، فقد كانت الشرارة الأولى حين أطلق زميلها عز لولو مناشداته، فتلقّفها أطباء لم يعرفوها عن قرب، لكنهم قرروا أن يكونوا سندًا لها.

 

تواصلوا، فتحوا الأبواب، وتعهدوا بتحويلتها، بينما كان آخرون يعملون ضمن حدودهم القانونية، لكن بقلوبٍ حاضرة، يسهّلون ما استطاعوا إليه سبيلًا، وبين ورقةٍ تتأخر وأخرى تتعطّل، كانت الحرب تزيد الطريق وعورة؛ نزوح، وتعطّل مؤسسات، وأوراق توقفت في منتصف الطريق كأنها عالقة بين مكانين.

 

لكن فجأة، كما لو أن الطريق انفتح دفعةً واحدة، تحرّكت الأمور، وبعد قرارٍ بتأجيل تحويلتها شهرًا، جاءها الخبر الذي لم تكن تتوقعه: خلال أيامٍ قليلة، ستغادر غزة، ولم يكن ذلك مجرد انتقالٍ جغرافي، بل عبورٌ من مرحلة إلى أخرى، من الحصار إلى بداية التعافي.

 

وحين وصلت إلى عمّان، لم تنتظر طويلًا، فمنذ اللحظة الأولى، بدأ كل شيء يتحرّك بسرعةٍ مختلفة؛ فريقٌ طبي يستقبل، يقيّم، ويباشر العلاج فورًا، فكانت حالتها مستقرة نسبيًا، لا تحتاج إلى تدخلٍ عاجل، لكن من كانوا معها لم يُمنحوا هذا الوقت، فدخلوا غرف العمليات في صباح اليوم التالي لوصولهم!

 

هكذا، انتقلت “سارة” من صوت الانفجار إلى صوت الأجهزة الطبية، ومن ركام الشقة إلى غرف العلاج، لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو قرارها الأول: أن تُكمل، مهما تغيّر الطريق.

 

خارج غزة، لم تكن التحديات في العلاج بقدر ما كانت في الغياب؛ غياب الأهل، وثقل البعد عن كل ما يشبهها، أمّا ما عدا ذلك، فقد أحاطتها الرعاية من كل جانب، وكانت المؤسسة التي تكفّلت بها توفّر لها ما تحتاجه، حتى بدا الطريق الطبيّ ممهدًا، وإن ظلّ القلب معلّقًا هناك، ولكن اللحظة الفارقة لم تكن في الوصول، بل في المواجهة الأولى مع الحقيقة، يوم أخذوا قياس الطرف الصناعي، انهارت من الداخل، فكان ذلك اليوم بمثابة التصديق النهائي: نعم، ساقي قد بُترت! فلم تعد فكرة، ولا احتمالًا، بل واقعًا يُقاس ويُركّب.

 

تصف “سارة” شعورها ذلك اليوم: “جلست مثقلةً، فيما كان الخوف والوجع يتزاحمان في صدري”، ثم جاءت لحظة أخرى… مختلفة تمامًا، في أوّل مرّة ارتدت فيها الطرف الصناعي، لم تكن مجرّد تجربة طبية، بل ولادة شعورٍ جديد، فكانت في غرفة القياس، وحدها مع الأخصائي، بينما ينتظرها الجميع خارجًا، لبست الطرف، ولم تكن قد أخفت بعد ذلك الجزء البلاستيكي، ولم تُكمل التفاصيل المعتادة… لكنها لم تنتظر. فجأة، وقفت.

 

وقفت على قدمين

 

في تلك اللحظة، نسيت كل شيء، ولم تفكّر في الشكل، ولا في الإجراء، ولا في الألم… فقط صاحت، تناديهم بفرحٍ لا يُحتمل: أنها واقفة، أنها عادت تقف، فكان صوتها ممتلئًا بدهشةٍ طفولية، كأنها تتعلّم الوقوف لأول مرة..

 

ومنذ تلك اللحظة، تغيّر شيءٌ عميق في داخلها، لم تعد ترى البتر نهاية، بل امتحانًا رافقه لطف، فكانت تردّ على كل من يحاول مواساتها بأن حياتها لم تتوقف، بأن الله الذي ابتلى، ألهم من يصنعون ما يُعين، وأن في كل نقصٍ بابًا يُفتح، وحين وقفت على الطرف، شعرت بعظمة هذا اللطف؛ كيف يُؤخذ شيء، ويُعاد إليها معنى الوقوف بشكلٍ آخر.

 

رأت نفسها يومها “محظوظة” رغم كل شيء، فقد كانت تدرك أن كثيرين في غزة يتمنّون فرصةً كهذه، أن يخرجوا، أن يتلقّوا العلاج، أن يقفوا من جديد، فلم تُصوّر نفسها في المرآة، لم تبحث عن صورة كاملة، بل التقطت صورةً بسيطة لقدميها، قدمين ترتديان حذاءين، أرسلتها لأمها، كأنها تقول لها: “انظري… أنا واقفة”!

 

لم تكن البداية مع الطرف الصناعي نهايةً سهلة للحكاية، بل فصلًا آخر من التعلّم القاسي، ففي اليوم الأول، حين ذهبت لقياسه وارتدته، كان الأمر مجرّد تجربة، بروفة سريعة للتأكد من دقة المقاسات، لذلك عادت دونه، وكأنها تترك خلفها احتمالًا جديدًا لم يكتمل بعد.

 

لكن في اليوم التالي، بدأت المواجهة الحقيقية، حيث استيقظت صباحًا على إحساسٍ غريب؛ جسدها يرسل إشاراتٍ خادعة، كأن الساق المفقودة ما زالت هناك، نهضت بثقةٍ غير واعية، توجّهت إلى الحمّام، وعادت… ثم سقطت.

 

كان ذلك أول اصطدامٍ لها بما يُعرف بالألم الوهمي، حين يخدعها الدماغ بإحساسٍ كاملٍ بساقٍ لم تعد موجودة، فكانت تلك السقطة كفيلة بأن تحرمها من ارتداء الطرف لثلاثة أسابيع كاملة، حتى يهدأ الورم، ويزول الألم، ويستعيد الجسد توازنه.

 

ومع ذلك، لم يكن التحدي الحقيقي جسديًا بقدر ما كان اختبارًا للقبول، كانت تخشى “سارة” كما تروي لمنصة القدس 360 في البداية أن ترفضه، أن تشعر بالغربة عنه، لكنها حين ارتدته، تغيّر كل شيء، فلم تره بديلًا، بل امتدادًا وجزءًا مهمًا منها.

 

في الأسبوع الأول، استعانت بالمشّاية، ثم انتقلت إلى عكازين، فواحد، حتى وجدت نفسها تمشي دون أي سند، تقول: “كانت خطواتي غير متزنة، مليئة بالعوج والارتباك، لكنني كنت أمشي على قدمين، وهذا وحده كان كافيًا ليمنحني معنى الانتصار”.

 

لم يكن التأقلم مع الطرف معركةً نفسية ولا جسدية كما توقعت، بل كان رحلة اكتشاف لقدرتها على التكيّف، وبينما كانت تستعيد توازنها، كانت تستعيد أيضًا حلمها القديم؛ الطب. تقول “سارة”: “منذ البداية، كنت أرى في الطبيب إنسانًا يقدّم ما لا يستطيع غيره تقديمه، بفضل الله أولًا، ثم بعلمه وجهده، أما بعد الإصابة، لم أفكّر في ترك الطب، لكن فكرة أخرى راودتني: هل سأظل قادرة؟ هل سيضعف أدائي؟ كان هذا السؤال ثقيلًا، حتى جاءت الفرصة التي بدّدت شكّي، حين سمحت لي المؤسسة أن أتطوع، وعدت إلى الاحتكاك بالأطباء والمرضى، اكتشفت شيئًا أعمق: أنني ما زلت قادرة بل أكثر مما ظننت”،

 

لم تتخلّ عن الطب، لكنها اختارت أن تعيد رسم طريقها داخله، فكان حلمها أن تتخصص في طب النساء والتوليد، لكنها أدركت أن هذا الطريق يحتاج جهدًا جسديًا قد لا يحتمله جسدها بعد كل ما مرّ به، ولم يكن قرارها استسلامًا، بل احترامًا لحدودها، واختيارًا واعيًا لما تستطيع أن تُبدع فيه دون أن تُرهق نفسها، وهكذا، لم تتوقف الحكاية بل تغيّر مسارها، بقي الحلم، لكن بصيغةٍ أكثر حكمة، وبإيمانٍ هادئ: أن الله الذي أعانها لتقف من جديد، قادر أن يفتح لها طريقًا آخر، تمشيه بثبات… حتى ولو بساقٍ واحدة.

 

لم تعد “سارة” ترى الطب كما كانت تراه من قبل، فتجربتها قلبت المفهوم رأسًا على عقب، حتى بدا لها أن نظرتها تغيّرت تغييرًا كاملًا، لا جزئيًا، ففي الماضي، كانت تنظر إلى المريض كـ “حالة” تحتاج إلى تشخيص وخطة علاج، أما الآن، فقد صار إنسانًا كاملًا، له وجعٌ يُروى قبل أن يُفحص، وله قلبٌ يحتاج من يربّت عليه قبل أن تُكتب له الوصفة.

 

 

تقول “سارة” إنها جلست يومًا في مكان المريض، وعرفت تمامًا ماذا يعني أن تنتظر يدًا تُطمئنك، لا مجرد طبيب يؤدي واجبه، تذكّرت كيف كانت تتمنى من يقترب، من يتحدث، من يشعر بها، لا من يمرّ مرورًا سريعًا، مهما كان متقنًا لعمله..

 

كانت أول عودة لها إلى المستشفى بعد تركيب الطرف الصناعي قاسية؛ عادت كمريضة، بخطواتٍ متعثرة، محمّلة برغبةٍ خفية أن تدخل المكان نفسه يومًا كطبيبة، لكن الحلم لم يتأخر طويلًا، فبعد فترة، دخلت المستشفى بالفعل، لا على الطرف هذه المرة، بل مستندة إلى “ووكر”، ولكن كطبيبة.

 

هناك، شعرت “سارة” بشيءٍ يشبه التحليق؛ كانت تناقش الحالات، تقف بين الأطباء، تنتمي إلى هذا العالم الذي أحبّته، وتراه بعينٍ جديدة،و حين رأت اهتمامهم بالمرضى، خاصة القادمين من غزة، أدركت أن هذا هو المكان الذي تريد أن تكون فيه، مجتمعٌ لا يقدّم الطب فقط، بل يقدّم إنسانية الطب.

 

ورغم أن الرحلة لم تنتهِ بعد، إذ عادت بعد أيامٍ قليلة كمريضة لإجراء عملية جديدة، وما زالت تنتظر عمليات أخرى، إلا أن بداخلها يقينًا ثابتًا: أنها ستعود، يومًا ما، إلى هذا المكان، واقفةً على قدمين، لا كمريضة، بل كطبيبة.

 

أما المرضى، فقد رأوا فيها شيئًا مختلفًا، فلم يعودوا ينظرون إليها كطبيبة فقط، بل كواحدةٍ منهم، تعرف وجعهم من الداخل، كما كانوا يقتربون منها، يطلبونها بالاسم، لأنها لا تقول لهم “تحمّل” أو “معلش”، بل تخاطبهم بلطفٍ صادق، تهيئهم للألم، تشرح لهم ما سيحدث، وتشاركهم التجربة لا من موقع المعرفة فقط، بل من موقع الإحساس.

 

وفي البداية، كانت تتردد في الاقتراب أكثر، تخشى أن تُثقل قلبها بآلامهم، لكنها مع الوقت، وجدت في ذلك جزءًا من رسالتها، فصارت تذهب إليهم، تجلس معهم، خاصة أولئك الذين فقدوا أطرافهم، تتبادل معهم الطمأنينة؛ تُقدّم لهم ما تعرفه طبيًا، ويمنحونها هم ما تعلّموه من الحياة، يجلسون وجهًا لوجه، كأنهم مرآة لبعضهم، يخففون عن بعضهم، ويؤكدون أن الألم، حين يُشارك، يصبح أخف.

 

تختم سارة حديثها كرسالة لكل فاقد لجزء من جسده:

 

“اليوم، حين أقول “قوّة”، لا أبحث عن تعريفٍ في كتاب، أنا أعرفها.. القوّة عندي لها وجوه، لها أسماء، لها حكايات محفورة في القلب، القوّة تعني لي أبي، تعني لي أمي، تعني لي غزة، وغزة، بكل ما فيها، تختصر الكلمة كلّها، القوّة هي هؤلاء الذين انكسروا ولم يسقطوا، الذين فقدوا وقالوا: الحمد لله ومضوا، القوّة عندي اسمها “سائدة” ليست مريضة، بل مرافقة مرضى لكنها في الحقيقة حكاية وجعٍ لا يُحتمل، هي أمّ وزوجة خرجت تشتري لأطفالها ثيابًا، عادت لتجد المدرسة التي احتموا بها قد قُصفت زوجها، وسبعة من أطفالها، جميعهم رحلوا، ولم يتركوا لها أحدًا ولا حتى ذكرى تمشي على قدمين..

 

ومع ذلك ما زالت واقفة

 

هذه هي القوّة

 

والقوّة أيضًا أبي

 

ذلك الرجل الذي خرج للحظات ليُعدّ لنا الشاي

 

عاد ليجد الفقد قد سبقه إلى البيت

 

فقد اثنين من أبنائه، وبين صدمة اللحظة وثقل المصاب، لم يسقط

 

صلّى عليهم، حملهم بيديه، واستودعهم عند الله… ثم وقف

 

من أين يأتي كل هذا الثبات؟

 

من الإيمان، من الرضا، من شيءٍ لا يُرى

 

لكنه يُبقي الإنسان واقفًا رغم كل شيء

 

وأمي القوّة بصبرها، بثباتها، باحتوائها لكل هذا الألم دون أن تنكسر

 

لذلك، حين أنظر إلى كل مصاب، إلى كل مبتور، إلى كل من فقد الأمل، لا أقول له كلامًا محفوظًا… أقول له: أنا مثلك

 

وأقولها بيقين: ربنا كبير

 

كبير لدرجة أنه يسخّر لك كل شيء، حتى وأنت عاجز، حتى وأنت لا تستطيع أن ترفع قدمك عن السرير، يأتيك العون من حيث لا تدري

 

رأيت هذا بعيني، وعشته لحظةً بلحظة

 

أقول لهم: هذا ليس نهاية… هذا اختبار

 

الله أخذ منا جزءًا، ليرى: هل نصبر؟ هل نرضى؟

 

فإن صبرنا… فتح لنا أبوابًا لا تُغلق، في الدنيا والآخرة

 

الحرب غيّرتني

 

غيّرتني كإنسانة، فصرت أعرف كيف أعيش في أصعب الظروف، كيف أتمسّك بالقليل، لكن أطمح للكثير، صرت أعي مصلحتي أكثر، أنتبه لدراستي، لمستقبلي، لكل خطوة أخطوها

 

وغيّرتني كطبيبة

 

جعلتني أكثر حرصًا على العلم، أكثر شغفًا بالخبرة، لأنني عرفت أن هناك لحظةً قد يُنادى فيها اسمي، ويكون عليّ أن أكون جاهزة

 

نزعت مني الخوف، قرّبتني من المرضى أكثر، لم أعد أنتظر أحدًا ليقول لي “افعلي”، بل صرت أُبادر، أتحمّل، أُنجز، دفعتني إلى العمل التطوعي، إلى الوقوف في أماكن لم أكن أتخيّل أنني سأقف فيها، أُغطي نقصًا، أتعلم بسرعة، وأتحمّل مسؤولية لأن الظروف لا تنتظر

 

أنا اليوم لست كما كنت

 

أنا ابنة هذه الحرب، ابنة هذا الصبر، ابنة هذه القوّة التي رأيتها في أبي، وأمي، وسائدة وفي كل إنسانٍ فقد ولم ينكسر.

 

الحرب لم تنتهِ داخلي هي ما زالت تسكنني، تتنفس في تفاصيلي، في جسدي، في ذاكرتي، أخذت مني يوسف، أخذت شمس!

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى