إنسانفلسطين وناسها

من القدس وإليها

قصة الشيخ الراحل ناجي القزاز

في أزقّة البلدة القديمة، وتحديدًا في حيّ باب السلسلة الملاصق لـ المسجد الأقصى، نشأتُ وترعرعتُ، فلم يكن الأقصى مجرّد مكانٍ أجاوره، بل عالمًا كاملًا يحيط بتفاصيل حياتي من كل الجهات.

في تلك البيئة الروحانية، كنتُ أبدأ صباحي بطقسٍ خاص؛ أمشي في ساحاته مع ساعات الفجر الأولى منذ نعومة أظفاري

 

فكانت خيوط الحكاية الأولى تبدأ من البيت؛ حين علّمني والدي مخارج الحروف ونقاء الصوت وهيبة النداء، كما اعتادت عائلتنا أن تُربّي أبناءها على روحانية الأذان، ليخرج من القلب قبل الحنجرة.

 

منذ صغري، كنتُ أرافق جدّي عبد السلام القزّاز إلى المئذنة، أتعلّق بخطواته وأتعلّم من صوته قبل كلماته، حتى جاء ذلك اليوم الفارق؛ يوم أثقل المرض صوته، وغاب أذانه على غير عادته، فبادرتُ بدافع المحبة والإرث أن أرفع الأذان مكانه.

 

لم أكن أدرك أنني أخطو أولى خطواتي في إرثٍ يمتد لقرون..

صعدتُ، ورفعتُ أذان العصر، وحين صدح صوتي، شعرتُ برهبةٍ عميقة تسري في جسدي، تربطني بالمكان وبالنداء معًا، وعندما انتهيتُ، نزلتُ مسرعًا، غارقًا في دهشة ما جرى، وعدتُ إلى منزلي غير مصدّق أنني أصبحتُ جزءًا من هذا الصوت العتيق..ومنذ ذلك اليوم، مضت خمسة وثلاثون عامًا، وأنا أقف في المكان ذاته، أرفع الأذان في الأقصى كامتدادٍ لصوتٍ لم ينقطع.

 

في رحاب المسجد الأقصى، كان الأذان حكايتي التي وُلدت معها، وكبرتُ في ظلالها،وحين وقفتُ أول مرة على المنبر، شعرتُ أنني لا أرفع صوتي وحدي، بل أصوات من سبقوني جميعًا، كأنهم يقفون خلفي، يضعون على كتفي أمانة هذا الإرث.

 

كنتُ كلما صدحتُ بـ”الله أكبر”، أشعر أن هذا الصوت هو ذاته الذي خرج من حناجر أجدادي، لم تغيّره السنين، ولم تُضعفه المحن، فأنا مجرد حلقةٍ في سلسلة طويلة، لكنني حملتها بكل ما في الروح من انتماء.

 

منذ العهد المملوكي، حين استقرّت تقاليد الأذان في أروقة المسجد الأقصى، حمل أجدادي هذا الشرف، يورّثونه كما تُورّث الأرض والاسم، بل وأكثر؛ يرون في كل نداءٍ رباطًا يشدّهم إلى هذا المكان المقدّس، وعهدًا لا يجوز أن ينقطع.

وحين كنتُ أعتلي مئذنة الأقصى، لم أكن أقف وحدي؛ كنتُ أشعر بتاريخٍ طويلٍ يقف خلفي، أصواتٌ تعاقبت عبر القرون، تردّد الكلمات ذاتها بقلوبٍ خفقت في أزمنةٍ مختلفة، فكنتُ امتدادًا لسلسلةٍ لم تنقطع، صمدت في وجه الاحتلال وتقلّب العصور، وبقي الأذان فيها ثابتًا!

 

انطلقتُ في رحلتي الأخيرة من باحات المسجد الأقصى، من المكان الذي عرفتُه صوتًا وحياة

فإذا به يودّعني بصمت مهيب

شعرتُ أن الساحات التي شهدت أذاني طويلًا

تُنصت هذه المرة لغيابي

وأن المآذن التي حملت صوتي

تُخفضه خشوعًا لرحلتي

أُقيمت الصلاة عليّ

فاختلطت الدعوات بدموعٍ أعرف أصحابها

وارتفعت الأكفّ

كما كانت ترتفع مع ندائي

لكنّها اليوم تودّعني

ثم مضيتُ محمولًا بين أيديهم في أزقّة القدس

المدينة التي سكنتني كما سكنتها

كأنهم لا يشيّعون جسدًا

بل يشيّعون صوتًا عاش بينهم

ورافق أيامهم ولياليهم

أنا ناجي القزّاز

ابنُ صوتٍ امتدّ لسبعمئة عام

ووارثُ نداءٍ لم ينقطع

منذ أن وقف جدّي الأول على هذه المآذن!

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى