“فستانٌ مطرَّز” ينتظرُ “بيسان” منذ عامين
توقّف الباص.. وفي لحظةٍ واحدة، دقّت قلوبُ الأمهات سريعًا، بكين كما لم يبكِين من قبل، إحداهن تصمت قليلًا، ثم تنهار فجأة، وكأن الدموع وحدها تفهم ما تعجز عنه الكلمات لوصف الشعور، فلم يكن هذا انتظار عودةٍ عادية، لا حقائب تُسحب، ولا حكايات سفر تُروى..
كان الانتظار للقاء الأول، الحضن الأول، اللمسة الأولى، تلك الأشياء البسيطة التي حُرمت منها قلوبهم لعامين كاملين، وتتساءلُ حين تراهم يلتقون بأطفالهم بعد عامين من الغياب: “كيف يمكن لقلب أم أن يؤجّل كل هذا الحب كل هذا الوقت”؟
وما إن فُتح باب الباص، حتى ركضت الأمهات، يتسابقن نحو أحضان أطفالهن، بدأ المرافق للخدج يسلم الأطفال واحدًا تلو الآخر، إلى أم أو أب أو جد، أما الأطفال فكانوا ينظرون بخوف وعيون شاخصة من بكاء الأمهات وازدحام الوجوه الغريبة حولهم، فلم يفهموا بعد ماذا يعني أن يُنادى اسمهم بهذا الارتجاف، وماذا يعني أن يندفع أحدهم ليحتضنك بهذه الطريقة..
ارتفعت الأصوات، متداخلة، مرتجفة، باكية:
“أنا ماما!”
“أنا بابا!”
كانت الأذرع تشتدّ حول أجسادٍ صغيرة كأنها تحاول أن تعوّض عامين في حضنٍ واحد.
رصدت منصة القدس 360 تلك اللحظات على بوابة مجمع ناصر الطبي، حين كانت الأذرع تشتد حول أجسادٍ صغيرة تحاول أن تعوض عامين من الغياب في حضنٍ واحد، بينما كانت تقبض “سندس الكرد” على فستان مطرز، تقول: “ابنتي بيسان واحدة من عشرات الأطفال الذين تُركوا مجبرين، حين أُجبرنا الاحتلال على إخلاء مستشفى الشفاء تحت وطأة أوامره، ولم أستطع أن أصف شعور الانتظار لسؤال في قلبي هل هم على قيد الحياة أم لا لمدة عام كامل”.
بدأ فصل الوجع في حكاية “سندس” في الثاني والعشرين من أكتوبر عام 2023م، حين انهار البيت فوق رؤوسهم، تقول: “أصبتُ بجروح بالغة في مختلف أنحاء جسدي، وكنت في شهري الثامن، نقلوني إلى المستشفى الاندونيسي ثم إلى مجمع الشفاء الطبي، وخضعت هناك إلى عملية قيصرية طارئة وسط قصف جنوني، ووسط الإمكانات وانقطاع الشريان الطبي، وأنجبتُ طفلتي ونقلوها مباشرة إلى حضانات الخدج ونقلت أنا إلى العناية المركزة”.
تكملُ حديثها: “مع اقتحام المستشفى لاحقًا، واشتداد الحصار عليه تم إجلاء عدد من الأطفال الخدج بعد توقف الأجهزة، واختفت آثار الأطفال، بينما استشهد عدد من عائلتي وعشت الفقد وخرجت من المستشفى تاركة طفلتي قسرًا لأبدأ رحلة النزوح القاسية بين الخيام وبقي مصير طفلتي مجهولًا”.
شريط الحياة الذي يلفّ معصم صغيرتها الخديجة كان بمثابة بصيص أمل لقلبها، تسترسل قائلة: “وصلنا معلومة في شهر مايو عام 2025م من أحد الممرضين عن طفلة من غزة في مستشفى بمصر ملفوف حول يديها “بنت سندس الكرد”.
وعن يوم اللقاء الذي انتظرته طويلًا تقول “الكرد”: “اليوم هو يوم ميلاد ابنتي، حين رأيتها واحتضنتها للمرة الأولى، فقد كنتُ أخاف كثيرًا أن تكون فارقت الحياة وأنا لا أعلم مصيرها وأبقى طوال عمري وأنا بين الأمل والقلق”.
سألنا “سندس الكرد” كيف ستخبرُ ابنتها بحكايتها حين تكبر وطلبنا منها ان ترسل رسالة لبيسان فقالت: “حين اخترت لكِ اسم بيسان، كنتِ في أحشائي تحملين اسم خالتك الشهيدة، اسمًا عبقًا بالتضحيات والذكريات، لكنك الآن، يا صغيرتي، تحملين أكثر من اسم… تحملين قضية، قضية ستتحدث عنها الأيام، وستسمع بها الأجيال، سأخبركِ كيف كنتِ منذ يومك الأول في هذا العالم حكاية كبيرة، لم تكوني مجرد طفلة عادية، بل كنتِ حاملة رسالة، حاملة قضية، وجئتِ إلى الحياة تحملين الألم والأمل منذ لحظة حياتك الأولى”!




