إنسانفلسطين وناسها

على حافة الوجع.. “أمل” تبحث عن “طوق نجاة”

 

“أمل..لم يكن اسمي يومًا مجرد كلمةٍ تُنادى بها طفلة صغيرة، بل كان المعنى الذي كبرت معه وعشت به منذ أن كنت طفلة بضفيرتين، كنت أؤمن أن لكل ضيقٍ فرجًا، ولكل عتمةٍ نافذة نور، ومع مرور السنوات، لم يعد الأمل اسمًا أحمله، بل صار جزءًا من شخصيتي وطريقتي في النظر إلى الحياة، وكلما ضاقت بي الدنيا، فتحت للرجاء بابًا جديدًا، وكلما اشتدت المحن، تمسكت أكثر بخيط الأمل، لذلك حين أعرّف نفسي اليوم، لا أقول إن اسمي أمل فقط، بل أقول إنني عشت عمري أحاول أن أكون على قدر هذا الاسم، أصنع الأمل لنفسي ولمن حولي، وأزرعه في القلوب كما يزرع الفلاح بذوره في الأرض منتظرًا موسم الحصاد”.

 

هكذا عرفت الشاعرة الغزية أمل أبو عاصي نفسها في حوارها مع منصة القدس 360، هذا الحوار الذي لم يكن الأول معها، ففي يوم من أيام الإبادة حدثتنا “أمل” عن مشروعها الذي استغرقت في تخطيطه سبعة عشر عامًا قبل أن تبتلع الإبادة أحلام شعب كامل، والآن نحاورها للحديث عن معركتها الشرسة مع السرطان!

 

معاركُ في غزة

 

في غزة تقف أمل من قلب هذه المعارك المتداخلة متعجبة من قسوة المشهد، وتقول: “أي مريض سرطان في العالم يواجه معركته مع المرض فقط، أما نحن في غزة فنواجه معارك كثيرة غيره”.

 

فهناك.. يخوض المرضى حربًا داخل أجسادهم، وحربًا أخرى خارجها، يطاردون العلاج كما يطاردون النجاة، ويقاومون الألم بينما يواجهون الجوع والنزوح والخوف وانقطاع الدواء، فيصبح المرض فصلًا من المأساة لا المأساة كلها، وتتحول رحلة العلاج إلى طريقٍ مثقل بالحواجز والانتظار والحصار!

 

لأجل ذلك تخوض “أمل” اليوم معركةً شرسة مع السرطان، لكنها لا تواجهه بعقاقير العلاج وحدها، وبين معركةٍ تسكن الجسد وأخرى تحاصر الحياة، تواصل أمل التشبث باسمها!

 

أملٌ لا ينتهي

 

قبل سبعة عشر عامًا، جلست ترسم على الورق ملامح حلم كبير… لم يكن مجرد فكرة، بل مشروع عمرٍ تُنفق لأجله ليالي السهر وأيام البحث، تصممه بحب، وتحيكه بالصبر، وتغذّيه برؤية مختلفة… روضة غرس الحديثة، على نمط التعليم الياباني، حيث النظام والجمال والابتكار يصنعون عقولًا حرة وقلوبًا محبة، حيث آمنت أن الطفولة في غزة تستحق بيئة تتسع لأحلامها، فأرادت أن تزرع جيلًا مختلفًا: مصلحًا، مبادرًا، واعيًا، قويًا، وطنيًا، جيلًا لا تحده الأسلاك ولا يخيفه الدخان.

 

لم يتوقف حلم أمل عند جدران الروضة، ولا عند أبواب الحرب، فحين اقتُلعت العائلات من بيوتها، وحملت الريح الناس إلى الخيام، حملت هي رسالتها معها، كانت تؤمن أن التعليم ليس رفاهية تؤجلها الحروب، بل طوق نجاة في قلبها، لذلك واصلت تعليم الأطفال بين أقمشة الخيام، وصنعت من المساحات الضيقة فصولًا للحياة، ومن وجوه الصغار المتعبة نوافذ للأمل.

 

وبينما انشغلت بزرع الطمأنينة في قلوب الآخرين، كان هناك زائرٌ ثقيل يتسلل إلى جسدها بصمت في ذروة الإبادة التي تعصف بغزة، وبين الحصار الخانق وانهيار المنظومة الصحية وغياب العلاج، تلقت أمل نبأ إصابتها بالسرطان.

 

فجأة، وجدت المرأة التي أمضت سنوات عمرها تصنع الأمل للآخرين، نفسها في مواجهة معركة جديدة، سرطان ينهش الجسد، وحرب تحاصر الحياة، وعلاج بعيد المنال، ومستقبل يكتنفه المجهول.

 

طوقُ نجاة مفقود

 

ورغم كل ما يعتري القطاع الصحي في غزة من انهيار ونقصٍ حاد في الإمكانات والأدوية، بدأت أمل رحلتها العلاجية متمسكة بخيط الرجاء، فتنقلت بين جلسات العلاج الكيماوي، تحمل آلامها بصمت، وتنتظر أن يحمل لها كل موعد طبي خبرًا يطمئن قلبها بأن المرض يتراجع خطوة إلى الخلف.

 

لكن الطبيب أخبرها بعد آخر جلسة علاج كيماوي أن جسدها لم يُبدِ الاستجابة المطلوبة للعلاج، وأن الخيارات تضيق أمامها، ولم يعد الوقت يسمح بمزيد من الانتظار، وأصبحت بحاجة إلى إجراء عملية عاجلة لاستئصال الثدي لمنع المرض من التقدم أكثر.

 

كان الخبر ثقيلًا على امرأة اعتادت مواجهة الأزمات بقلبٍ صلب، لكنه بدا أكثر قسوة في غزة، حيث لا تتوقف المعاناة عند حدود المرض، فبين مستشفيات منهكة، ونقص في الخدمات الطبية التخصصية، وصعوبة الوصول إلى العلاج المناسب، وجدت نفسها في سباق مع الزمن.\

 

اليوم، لا تبحث أمل عن معجزة، بل عن فرصة للعلاج، عن تحويلة طبية عاجلة تتيح لها إجراء العملية واستكمال رحلتها العلاجية قبل أن يمنح المرض لنفسه مساحةً أكبر في جسدها، وبين خوفها من السرطان وخوفها من ضياع الوقت، تظل متمسكة بالأمل الذي حملته اسمًا ورسالةً طوال حياتها.

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى