انقضى مايو.. سجلٌّ فلسطيني كتب بالقهر
انقضى مايو! وطُويت صفحة أخرى من التقويم، لكنّه في حياة الطفلة المقدسية كرمل سلطان لم يكن شهرًا عابرًا، بل كان شهرًا ثقيلاً حادًّا كأوامر الاحتلال التي تهبط على البيوت المقدسية فجأة فتقتلع الطمأنينة من قلوب ساكنيها.
قهرُ طفلة
في الأيام الأخيرة من مايو، وقفت “كرمل” أمام غرفتها الصغيرة في القدس، تحدّق في تفاصيلها باكية، بينما كان والدها يحمل بين يديه ورقة قرار بهدم المنزل الذي احتضن عمر العائلة وذكرياتها.
لم تكن “كرمل” تفهم لغة القوانين ولا تعقيدات السياسة، ولم تكن تعرف لماذا يُعاقَب بيتٌ لم يرتكب ذنبًا سوى أنّه على أرض القدس مشتبث بها، كل ما كانت تعرفه أنّ غرفتها التي استيقظت فيها آلاف المرات، وعلّقت على جدرانها أحلامها ورسوماتها الصغيرة، أصبحت مهددة بالاختفاء، وقفت تتجوّل بعينيها بين الرفوف والخزانة والسرير والنافذة التي اعتادت أن تطل منها على صباحات القدس، وتحاول أن تستوعب معنى أن يصبح كل ذلك ذكرى.
وقفت الطفلة حائرة أمام سؤال يفوق عمرها بكثير: ماذا تأخذ معها إذا جاء يوم الرحيل؟ هل تضع ألعابها في الحقيبة أم دفاتر المدرسة؟ هل تحمل الدمى التي رافقتها في طفولتها أم الصور التي تحفظ ضحكات العائلة في الأعياد والمناسبات؟ وكيف يمكن لحقيبة، مهما اتسعت أن تتسع لعمرٍ كامل؟ كيف يمكن أن تحمل بحجمها الصغير رائحة البيت، ودفء الجدران، وآثار خطواتها الصغيرة التي حفظتها أرضية الغرف على مدار السنوات؟
انتهاكاتٌ لا تتوقف
في تلك الزاوية من القدس، كان مايو ينقضي بطريقة مختلفة تمامًا، بينما كان العالم يستقبل شهرًا جديدًا، ولم يكن القهر المقدسي يقتصر على ذلك، فقد كانت القدس في مايو تخوض معركة يومية للدفاع عن هويتها وذاكرتها، فيما كانت جموع المستوطنين تتدفق نحو المسجد الأقصى تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، حتى تجاوز عدد المقتحمين سبعة آلاف ومئتي مستوطن، حوّلوا ساحات المسجد إلى ساحة استعراض للقوة في مناسبات دينية وقومية إسرائيلية، كان أبرزها ما يسمى بـ”توحيد القدس”، في مشهد أراد الاحتلال من خلاله تكريس سيادته المزعومة على أقدس مقدسات المدينة.
وفي الأزقة العتيقة للبلدة القديمة، لم تتوقف حملات الملاحقة والاعتقال، فأكثر من مئة مقدسي ذاقوا مرارة السجون أو الإبعاد، فيما تحولت قرارات الإبعاد عن المسجد الأقصى إلى سيفٍ مسلط على رقاب المصلين والمرابطين، في محاولة لإفراغ المكان من حراسه الطبيعيين وأهله الأصليين.
أما البيوت المقدسية، فكانت على موعد جديد مع الجرافات، فأربعة وثمانون اعتداءً بين هدم وتجريف، لم تستهدف الحجارة وحدها، بل استهدفت الأحلام والذكريات وسنوات العمر التي بناها أصحابها حجرًا فوق حجر.
أما في سلوان، التي وقفت في مقدمة المناطق المستهدفة، فقد اضطر عشرات المواطنين إلى هدم منازلهم بأيديهم تفاديًا للغرامات الباهظة، في واحدة من أكثر صور القهر قسوة، حين يُجبر الإنسان على أن يهدم سقفه بنفسه قبل أن تهدمه آلة الاحتلال.
لقاءٌ لم يأتِ
كما أن مايو على رزنامة الفلسطينية زيتونة جرار، فقد مضى بطيئًا وثقيلاً أيضًا كعمرٍ كامل من الانتظار، تشطب يومًا جديدًا كل صباح وتقترب أكثر من الموعد الذي علّقت عليه قلبها وأحلامها: موعد الإفراج عن والدها المعتقل إداريًا منذ ثمانيةٍ وعشرين شهرًا متواصلة.
يوماً بعد يوم، كانت زيتونة تهيئ قلبها للقاء طال انتظاره، وتتخيل اللحظة التي سيعبر فيها والدها عتبة المنزل، فتزول وحشة الغياب التي أثقلت روحها، فهي بحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى، فمنذ استشهاد والدتها وفاء جرار، بات الغياب أثقل من أن يُحتمل، تلك الأم التي عُرفت بجبر خواطر عائلات الأسرى والشهداء ومواساتهم، تحولت هي نفسها إلى ضحية للوجع الفلسطيني؛ فقد أصيبت خلال اعتقالها، وبُترت قدمها، ثم لم تمضِ سوى أسابيع قليلة حتى ارتقت شهيدة، ومنذ ذلك اليوم، كانت زيتونة تنتظر والدها ليشاركها حمل هذا الحزن الكبير، وليخفف عنها وطأة اليتم المضاعف، يتم الأم الشهيدة ويتم الأب الأسير.
وفي اليوم الأخير من مايو، اليوم الذي انتظرته العائلة طويلًا بوصفه يوم فرحٍ وحرية، جاء الخبر كصاعقة، تجديد الاعتقال الإداري أربعة أشهر إضافية، وفي لحظة واحدة، سقطت الأيام التي شُطبت من التقويم، وتبددت الأحلام في قلب زيتونة وعائلتها!
مايو النازف في غزة
وفيما كانت زيتونة تظن أن مايو يحمل لها الفرح المؤجل، كان أطفال غزة يعلّقون على الأيام الأخيرة منه أحلامًا صغيرة بحجم العيد، كانوا يعدّون الساعات انتظارًا لصباح مختلف، صباح تتوقف فيه الطائرات عن التحليق، وتصمت المدافع قليلًا، ويمنحهم العالم فرصة لالتقاط أنفاسهم.
بعقولهم الطفولية البريئة، كانوا يعتقدون أن للعيد قدرةً سحرية على إيقاف شلال الدم، وأنه حين يأتي ستخجل الحرب من نفسها، وستترك لهم مساحة للفرح كما يفعل العيد مع أطفال الأرض جميعًا.
كانوا ينتظرون ثيابًا جديدة، وقطعة حلوى، وعيدية صغيرة، وصورة عائلية لا يقطعها صوت انفجار، ويحلمون بأن يستيقظوا على تكبيرات العيد لا على صفارات الإسعاف، وأن يركضوا في الشوارع بحثًا عن الفرح..
لكن العيد جاء إلى غزة مثقلًا بالدخان والرماد، لم يحمل معه البهجة التي رسمها الأطفال في مخيلتهم، بل حمل فصولًا جديدة من الفقد، وبينما كانت مدن العالم تستقبل العيد بالتكبيرات والزيارات، كانت غزة تستقبله بأكفان جديدة وأسماء جديدة تُضاف إلى قوائم الشهداء.
ظن الأطفال أن العيد سيوقف الموت، فإذ به يأتي على وقع مجازر أشد قسوة، وأن صباحه سيحمل الحلوى، فإذ به يحمل أخبار الفقد، وظنوا أن أيامه ستكون فسحة للفرح، فإذ بها تتحول إلى أيام دامية كُتبت بالدموع والدم، ورغم مرور الشهور الطويلة، فإن حرب الإبادة على غزة لم تضع أوزارها بعد، وما زالت فصول المأساة تُكتب كل يوم بدماء المدنيين وآلام الناجين لا سيما شهر مايو المنقضي!




