إنسانفلسطين وناسها

حين يصبحُ العلاج حلمًا!

 

في زاويةٍ صغيرة من هذا العالم المثقل بالحروب، يجلس الطفل خالد عاشور” ذو الخمس سنوات، وهو يحاول أن يفهم لماذا صار الألم أكبر من جسده الصغير، فلم يكن يعرف من الحياة سوى اللعب والركض خلف الأشياء البسيطة التي يفرح بها الأطفال، لكن المرض جاء مبكرًا كوحشٍ خفيّ، واستقرّ في محجر عينه اليمنى، ينمو بصمتٍ قاسٍ حتى دفع العين إلى الخارج في مشهدٍ موجع!

 

ورمٌ سرطاني خبيث ينهش وجهه وعينه، هذا الورم أصبح يتمدد بخطورة نحو الأنسجة المحيطة، ومع كل يومٍ يمر، يزداد الخطر أكثر؛ فالأطباء يحذرون من تدهورٍ متسارع في حالته الصحية، ويؤكدون على أن التأخير لم يعد مجرد وقتٍ ضائع، بل تهديد مباشر لحياته، واحتمال لفقدانه البصر أو استئصال عينه بالكامل، بل وربما انتشار المرض داخل جسده الصغير.

 

خالد لا يفهم كل هذه المصطلحات الثقيلة، لا يعرف معنىورم خبيث ولا امتداد سرطاني، ولم يعرف أن الضوء الذي كان يملأ أيامه الصغيرة بات مهددًا بالانطفاءفي أي لحظة.

 

لكنه لم يكن وحده.. فهناك مئات الأطفال الجرحى في غزة يواجهون المصير ذاته، يتشبثون بفرصة نجاة، وبمعبرٍ قد يفتح لهم باب الحياة قبل أن يغلقه الوقت.

 

كما أن “أحد عشر شهرًا” هو عمر الطفلة “مسك العديني، لكن جسدها الصغير يبدو كأنه يحمل عمرًا طويلًا من الوجع، فقد كانت رضيعةً يفترض أن تتعلّم الحبو، وأن تضحك حين تناديها أمّها أو يناغيها أبوها، وأن تمدّ يديها الصغيرتين نحو الضوء والألعاب والوجوه المألوفة.

 

جزءٌ من دماغها فُقد، ومنذ تلك اللحظة، بدأ جسدها ينسحب ببطء من الحياة، وارتخى جسد مسك بالكامل، ورقبتها الصغيرة لم تعد قادرة على حمل رأسها، ويداها وقدماها استسلمتا لصمتٍ ثقيل، كأن الحركة نفسها غادرت جسدها الهشّ.

 

لا تستطيع “مسك” الرضاعة، ولا ابتلاع الطعام أو الماء، حتى النفس صار معركةً مرهقة لطفلةٍ لم تكمل عامها الأول، فأنبوبٌ صغير يدخل من أنفها، يحمل إليها الغذاء بدل حضن الأمّ ودفء الرضاعة، وأيضًا ينهك جسدها الإسهال المزمن والاستفراغ الذي لا يتوقف والحموضة الخطيرة في الدم، بينما ترتفع حرارتها باستمرار.

 

تقول أمها: “الأطباء يحذّرون من خطرٍ يقترب من حياة مسك، وفي غزة المنهكة، لا إمكانيات كافية، ولا مستلزمات طبية تستطيع أن تمنح مسك العلاج الذي تحتاجه، فكلّ تأخيرٍ إضافي يضر بحالتها”!

 

وفي زاوية وجعِ أخرى في بلاد القهر غزة، كان من المفترض أن تكون ركبتا الطفل الغزي وليد أبو مصطفى بعامه التاسع مليئتين بخدوش اللعب، لا بالنزيف والألم والخوف.. لكن الحرب اختارت له معركةً أخرى!

 

فمرض الهيموفيليا A حوّل كلّ حركةٍ بسيطة له إلى تهديد، وكلّ خطوةٍ إلى احتمال نزيفٍ جديد قد يبدأ دون سبب، وداخل ركبته اليمنى، يتكرر النزيف مرارًا، حتى أصبحت الركبة ساحةً مفتوحة للوجع، تقول عائلته: “الألم ينهش مفاصله الصغيرة، وتورم قدميه يزداد.

 

يتلقى “وليد” علاج عامل التخثر الثامن، وكان يتمسك بأيّ تحسنٍ ولو كان صغيرًا، لكن جسده بدأ يخذله أكثر، فالأطباء لاحظوا تكوّن مثبطاتٍ ضد العلاج؛ كأجسامٍ مضادة جعلت الدواء يفقد فاعليته، واستمر النزيف، واستمرت معه رحلة التدهور والخطر شيئًا فشيئًا واختفت خطواته، الطفل الذي كان يمشي على قدميه، صار اليوم أسير كرسيّ متحرك، يراقب الأطفال يركضون بينما يقف وليد عاجزًا أمام ساقين مهددتين بالفقد، حيث إن النزيف المتكرر فيهما قد يترك تلفًا دائمًا في المفاصل، وقد يحوّل الألم المؤقت إلى عجزٍ أبدي، والأسوأ من ذلك، أن قدميه الصغيرتين أصبحتا مهددتين بالبت، ويحتاج فرصة حقيقية وعاجلة للعلاج!

 

لم تكن الحالات هذه يومًا ما قصص فردية، بل هي صورة لطفولة كاملة تُباد في غزة خلف معبر رفح الذي يحاصر البراءة في غزة، فجراحٌ كثيرة تتكدس في الخيام وبين الركام وفي مخيمات النزوح بغزة وأسرة المستشفيات، تنتظرُ فقط ممرًا للشفاء!

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى