إنسانفلسطين وناسها

بين ركام جباليا.. جنازةٌ مهيبة أغاظت الاحتلال

 

حين خرجتْ جنازته من بين ركام جباليا لم تكن جنازةً عابرة، رأيتُ الناس يزاحمون الركام كي يلقوا النظرة الأخيرة، والهتاف يعلو من صدورٍ أنهكها الجوع والحصار، فعرفتُ أن الشهيد الذي تُولد له كل هذه المحبة في زمن الإبادة… لا بد أنه عاش عمره يزرع نفسه في قلوب الناس كما كان الصحابة يمرّون خفافًا على الدنيا، ويغادرون عظامًا في الأثر.

 

قلتُ في نفسي يومَها:

 

أيُّ رجلٍ هذا الذي استطاع وسط حربٍ تسرق من الناس قدرتهم على البكاء، أن يعيد لجباليا نبضها؟ وأيُّ روحٍ تلك التي جعلت الركام يمتلئ بالبشر كأن الأرض كلها خرجت لتقول: هنا مرّ إنسانٌ عظيم!

 

في مدينةٍ أنهكها القصف، وأتعبها الجوع، وسرقت الحرب منها القدرة على الالتفات حتى لموتاها… خرجت جباليا كلها خلف نعشه! هناك، فبحثنا في منصة القدس ٣٦٠ عن عائلته، عن أهله، عن أصدقائه، عن الذين عرفوه عن قرب،

 

سألناهم:

 

من هذا الذي أعاد لجباليا جنازاتها المهيبة وسط الإبادة؟ وما السرّ الذي جعل الناس يخرجون من تحت الركام والخوف ليودّعوه؟ وكيف يمكن لرجلٍ واحد أن يحظى بكل هذا الحب في زمن الحرب إلى الحد الذي يجعل مدينةً كاملة تبكيه تحت القصف؟!

 

لكن هذه المرة، لم نُرِد أن نحكي عنه نحن، تركنا المساحة الأقرب إلى قلبه، لزوجته، للمرأة التي عاشت تفاصيله الصغيرة والعظيمة بعيدًا عن الهتافات والجنازات والصور المتداولة.

 

هي وحدها تعرف كيف كان يُخبئ تعبه خلف ابتسامته، وكيف كان يحمل همّ الناس كأنه همّه الشخصي، هذه المرة، زوجته هي التي ستروي لكم حكاية الرجل الذي خرجت له جباليا كلها، إيهاب أبو حسين، وهذه حكايته التي روتها زوجته:

 

“وُلد أبو حمزة في مخيم جباليا عام ١٩٨٩م، نشأ بين عائلةٍ مجاهدة ملتزمة، وكبر في أزقة جباليا التي تعرف خطواته جيدًا، فمنذ صغره، كان مختلفًا، صلبًا، ذكيًا، وقريبًا من الله بطريقة لافتة لكل من حوله.

 

كان طفلًا يحفظ القرآن، ويتردد إلى حلقات التحفيظ، ويكبر مع إخوته بين جدران المسجد، حتى صار المسجد جزءًا من روحه، وصارت صلاة الجماعة وصيام النوافل والاعتكاف أشياء لا يتركها مهما اشتدت الظروف.

 

 

كبر أبو حمزة، لكن قلبه بقي متعلقًا بالدعوة والناس، فعمل محفظًا للقرآن وداعيةً في مسجد جباليا، قبل أن يلتحق بصفوف المقاومة، ويصبح قائدًا عرفه الجميع بالشدة على أعدائه، والرحمة بجنوده ومن حوله.

 

في حرب الإبادة، كان رجلًا يحمل الناس في قلبه، وبين الخيام ومخيمات النزوح، يخرج ليلًا يتفقد العائلات واحدًا واحدًا، يسأل عن الجائع، وعن المريض، وعن المحتاج لدواء أو كيس طحين، حتى إن الناس صاروا يلقبونه بـ”عمر بن الخطاب”، من شدة حرصه على تفقد النازحين ليلًا ونهارًا.

 

في رمضان، كان يصرّ أن يجهز للناس ما يستطيع من طعام، يوزع الفطور والسحور والطرود رغم المجاعة والقلة، وحتى في العيد، كان يخرج بعد الصلاة يسلّم على الجيران ويوزع العيديات على الأطفال وكبار السن، رغم انعدام السيولة وانقطاع العملة، وفي يوم استشهاده، كان الناس ينادون بعضهم بعضًا: “استشهد الرجل الذي عيّدنا يوم العيد”.

 

رغم أنه كان مطاردًا طوال الحرب، لم يقطع عنا الاطمئنان، فيرسل لنا بين الحين والآخر قصاصات ورق بخط يده، يطمئننا فيها عن حاله ويسألنا عن أحوالنا، وحين كنا ننزح من مكان إلى مكان، بقي مع جنوده حتى اللحظة الأخيرة، يثبتهم ويشد على أيديهم،

 

أبو حمزة لم يكن زوجًا عاديًا، كان لينًا جدًا داخل البيت، خفيف الروح، يحب المزاح، ويعاملنا بأدبٍ واحتواء أعجز عن وصفهما، أحيانًا كنت أشتهي شيئًا في نفسي دون أن أخبره، فيفاجئني به

 

كنت أقول له: كيف عرفت؟

 

فيبتسم ويقول: إذا أنا ما حسّيت فيكم… مين يحس فيكم

 

أما يومه الأخير، فلم يكن يشبه أي يوم مضى، فقد جاءنا ظهر الجمعة إلى خيمتنا المتواضعة على غير عادته، دخل علينا بوجهٍ مضيء، وكأنه يحمل سلامًا داخليًا غريبًا، كان قد حلق شعره، واستحمّ، وبدا كأنّه يتهيأ لرحلة يعرف موعدها جيدًا…

 

طلب مني أن أجهز له الطعام بسرعة، وقال لي: المهم أكسب جمعتكم ولمّتكم… وأودعكم، توقّف قلبي لحظتها، وسألته وأنا أبكي: ليش تودعنا؟

 

فنظر إليّ بهدوء وقال:

 

“أنا بجهزك للشهادة من زمان… واليوم جاي أودعكم”!

 

يومها جلس معنا على مائدة بسيطة من المعكرونة، لكنه كان ينظر إلينا بطريقة مختلفة، كأن عينيه نريد أن تحفظ وجوهنا للمرة الأخيرة، نظر إلى ابنه حمزة وقال له:

 

“أنت الكبير… بدك تسد مكاني، دير بالك على أمك وخواتك، وحافظ على صلاتك، وخليك قريب من الناس”

 

 

كانت نظراته تدور علينا واحدًا واحدًا، وحتى اليوم، لا أستطيع أن أنسى تلك النظرات، نظرات رجلٍ يعرف أنه ذاهب إلى الله، وبعد أن أوصى ابنه حمزة، التفت إلى تسنيم… طفلته التي كان يراها أكبر من عمرها، ويحب فيها طاعتها الشديدة، وهدوءها، وقدرتها على فهمه من نظرة واحدة، نظر إليها طويلًا، ثم قال لها بصوتٍ حنون: “يا تسنيم يا حبيبتي كبرتي يا بابا، وما شاء الله عنك، بدك تحافظي على صلاتك وعبادتك ودراستك، وتجتهدي بحفظ القرآن، وأنتِ بنت يا بابا اهتمي بحجابك ولبسك وصوتك بالشارع، وما تزعلي إنك صغيرة محجبة، أنتِ قدوة، وبنت عيلة متدينة والستر حلو مثل ما كانت الصحابيات”.

 

ثم التفت إلى سوار، مدللته الصغيرة، وضحكته الخفيفة لا تفارق وجهه رغم كل شيء، ابتسم لها ابتسامة غريبة، كأنها ممتلئة بوداعٍ خفي، وقال: “سوار يا دلوعتي… أنا مبسوط منك كثير، لأنك بتصلي وبتدعيلي دائمًا”.

 

أما مسك فكانت الحكاية الأوجع، بقيت بحضنه طوال الوقت، رافضة تتركه، تلف ذراعيها حول عنقه، وتلصق خدها بخده وهي تقول له: حبيبي يا بابا… عيني إنت، فاستغرب وقال لي: مال مسك اليوم؟ مع إنها صغيرة، وقليل تشوفه بسبب الظروف الأمنية، لكنها كانت متعلقة فيه بطريقة غريبة”.

 

ثم ساد الصمت قليلًا داخل الخيمة، قبل أن يبدأ أبو حمزة الحديث عن الذين سبقوه إلى الله، قال إنه اشتاق لإخوته الشهداء، وللشيخ ضياء إمام مسجدهم، ولأبي رمزي شلايل الذي كان يحبه كثيرًا لورعه وتواضعه..وكأن قلبه صار معلقًا هناك… مع الذين رحلوا قبله.

 

وبعد الغداء، وبينما كانوا يتحدثون، أخبرته زوجته أن زوجة أخيه الشهيد تحتاج بطارية لتشغيل أضواء يدرس عليها أطفالها، فالتفت مباشرة إلى ابنه حمزة وقال له: “شو مستني؟ خذها لزوجة عمك فورًا، وشوف شو ناقصهم كمان”، بعدها شعر بتعبٍ بسيط في صدره، وأخذ حبة للحساسية، ثم غفا دقائق قليلة، وحين خرج حمزة، جاء بعض الشباب يبحثون عنه لموعدٍ ما، لكنه كان يرفض تمامًا أن يلتقي بأحد داخل مراكز الإيواء حتى لا يؤذي المدنيين أو يعرّضهم للخطر”.

 

استغربتُ جدًا. استيقظ فجأة من غفوته، وكأن شيئًا أيقظه من الداخل، طلب من تسنيم أن تحضر له ملابس غير سوداء، وقال: طول الأسبوع لابس أسود، ثم توضأ، وصلى ركعتين طويلتين، وجلس على سجادة الصلاة يدعو الله بحرارة غريبة.

 

كان يقول:

 

“يا رب تقبلني من الشهداء، يارب ارضَ عني، يارب قطّعني في سبيلك أشلاء، لكن لا تجعلني سببًا في استشهاد أي مدني”، خفت من دعائه، وقلت له: “اليوم جمعة وساعة استجابة… ليش بتحكي هيك”؟

 

فابتسم وقال:

 

وهل هناك أجمل من شهادة يوم جمعة… وفي ساعة استجابة؟

 

ثم قام فجأة، لا أعرف ماذا حدث له في تلك اللحظة، لكن وجهه صار مضيئًا بشكل لا يوصف، وكان وجهه أصلًا وضاءً، لكن هذه المرة كان النور مختلفًا… كأنه يودّع الدنيا، وقبل أن يخرج، التفت نحو سوار وقال: “ديروا بالكم على سوار… وما تنسي تدعيلي يا سوار”.

 

ثم خرج مسرعًا، وعند باب الخيمة، كان أخوه يجمع بعض الحطب، فقال له أبو حمزة:

 

“إذا ظل بالعمر بقية… بدي أشرب معك فنجان قهوة”، وكان يجري بطريقة غريبة ووجهه كله نور!

 

وفجأة دوّى انفجار هائل، هزّ المنطقة كلها، امتلأ المكان بالغبار والدخان، وبقينا أنا وأولادي واقفين كما نحن، لم نجلس حتى بعد خروجه، كأننا كنا نشعر أنها لحظات الوداع الأخيرة، صرنا نردد بصوتٍ واحد: “يا رب لا… يارب صبرًا وجبرًا لقلوبنا”.

 

ثم نظرت إلى أولادي، عرفت فورًا أن الاستهداف كان له، وفي تلك اللحظة قلت:

 

“اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها، يا رب اربط على قلبي”.

 

وبدأت الأخبار تنتشر في الحارة، الناس تركوا كل شيء وركضوا نحو مكان القصف، والجميع كان يردد اسم أبو حمزة، حتى الذين لم يروا الاستهداف، شعروا أن الضربة كانت له بسبب وداعه، وكلامه، ونور وجهه قبل خروجه.

 

أما حمزة، فكان لا يزال يظن أن والده نائم في الخيمة، عاد مسرعًا يسأل عنه، فقلتُ له بصوتٍ مخنوق: “أبوك… إلى الله”، وركض بعدها إلى مكان الاستهداف، والصدمة تسبق خطواته.. فقد كانت الحفرة عميقة من شدة الانفجار، والجثث ممزقة بلا ملامح واضحة، لكن ابن أخيه لمح مسدسه أولًا، ثم قال: “هذا عمي إيهاب”، وبينما كان الجميع ينكر ويكذب الخبر من هول الصدمة، قال أخوه: “هذه غُرّة شعره، وهذه يده المصابة، هذا إيهاب”.

 

شعورٌ لا يمكن وصفه، كأننا كنا نراه يرحل أمام أعيننا خطوةً خطوة، منذ اللحظة التي دخل فيها الخيمة مودعًا، فيوم استشهاده وحده حكاية كاملة، فبعدما نقلوه إلى ثلاجة المستشفى، جاءني البعض يحاولون التخفيف عني، وقالوا: “إن شاء الله مصاب… الصبح بتقدري تزوريه”..

 

 

لكنني كنت أعرف أنهم يخفون الحقيقة، كنت متأكدة أنه استشهد، منذ اللحظة التي وقف فيها على سجادة الصلاة يدعو الله أن يتقبله شهيدًا قبل أن يخرج، قلت لهم بهدوءٍ موجوع:

 

“لا تكذبوا عليّ… أنا بعرف إنه استشهد، إنا لله وإنا إليه راجعون”.

 

سألوني بدهشة: يعني متأكدة؟ قلت لهم: ليش كل الناس بترن؟ ليش الجيران والقرايب تجمعوا؟ هذه طريق اختارها الله له، نياله، بأعظم يوم وأعظم ساعة!

 

تلك الليلة لم أنم، لم يكن أبو حمزة مجرد زوج بالنسبة لي، كان أخًا، وصديقًا، وسندًا، وكل العالم بالنسبة لي، كان يغنيني عن الناس جميعًا، وفي صباح اليوم التالي، حدث ما لم يكن يتوقعه أحد، خرجت جباليا كلها خلفه… عن بكرة أبيها، رغم أن الجنازات الكبيرة كانت قد اختفت منذ مدة طويلة بسبب شدة القصف والخوف.

 

كان شيئًا غريبًا أن تخرج جنازة

 

بهذا الحجم في قلب الحرب

 

وبين الدمار والجوع والموت

 

لكن الناس خرجوا

 

خرجوا من الخيام

 

ومن الأزقة المدمرة

 

ومن بين الركام

 

كأن المخيم كله قرر أن يودّعه بنفسه

 

يومها لم تكن جنازة فقط

 

كانت زفّة عريس

 

تكبيرات، هتافات، زغاريد، وطلقات في الهواء

 

والناس تهتف بأعلى صوتها:

 

“يا خالد يا ابن الوليد… جبنا لك عريس جديد”

 

حتى الاحتلال استغرب المشهد

 

وأغاظه كثيرًا

 

علّق على الجنازة في إعلامه

 

“إن جباليا خرجت تشيّع قائدًا كبيرًا رغم حجم الدمار الهائل الذي حلّ بالمنطقة”

 

وبثّت قنوات ووسائل إعلام كثيرة مشاهد التشييع

 

لأن المشهد كان صادمًا حتى لمن اعتادوا صور الحرب

 

كيف يمكن لمخيمٍ محاصر، جائع، وتحت القصف

 

أن يخرج بهذا العدد الهائل ليشيّع رجلًا؟!

 

لكن من يعرفه

 

يعرف أن جباليا فقدت رجلًا

 

كان أبًا وأخًا وسندًا للمخيم كله!

زر الذهاب إلى الأعلى