Blog

الإبعاد عن المسجد الأقصى… سياسة إسرائيلية لتفريغ المسجد من أهله

 

لم يعد الإبعاد عن المسجد الأقصى إجراءً أمنيًا استثنائيًا كما تدعي سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى سياسة ممنهجة تستهدف إعادة تشكيل الواقع البشري داخل المسجد، عبر إقصاء المرابطين والمرابطات، وحراس المسجد، وطلاب العلم، وكل من يشكل حضورًا دائمًا فيه.

 

ويؤكد باحثون ومؤسسات حقوقية أن الاحتلال لم يعد يستخدم الإبعاد لمعالجة أحداث طارئة، وإنما بوصفه أداة ثابتة لتقليص الوجود الإسلامي في المسجد الأقصى، وتسهيل اقتحامات المستوطنين، وفرض وقائع جديدة على الأرض.

 

وتشير بيانات محافظة القدس إلى أن الاحتلال أصدر 2386 قرار إبعاد خلال الأعوام 2021-2025، بينها 1499 قرارًا بالإبعاد عن المسجد الأقصى، في مؤشر على اتساع استخدام هذه السياسة بحق المقدسيين، فيما وثق مركز معلومات وادي حلوة مئات القرارات الأخرى التي استهدفت المرابطين وحراس المسجد وموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية.

 

ثلاث مراحل… هدف واحد

 

يرى الباحث المختص في شؤون القدس زياد ابحيص أن سياسة الإبعاد تطورت عبر ثلاث مراحل رئيسية، إلا أن هدفها بقي واحدًا، وهو إضعاف الحضور الإسلامي داخل المسجد الأقصى.

 

ويقول ابحيص إن المرحلة الأولى بدأت بين عامي 2009 و2010 مع انطلاق مصاطب العلم، عندما استحدث الاحتلال سياسة الإبعاد عن المسجد الأقصى لأول مرة، مستهدفًا الشخصيات الأكثر حضورًا وتأثيرًا، ولا سيما المرابطين والمرابطات ومدرسات مصاطب العلم.

 

ويضيف أن الاحتلال تعامل مع هؤلاء باعتبارهم “رؤوس حالة الرباط”، فسعى إلى تحييدهم عبر قرارات الإبعاد، بدلاً من الاعتقال الطويل، لإضعاف حالة شد الرحال والتصدي لاقتحامات المستوطنين.

 

أما المرحلة الثانية، التي بدأت بعد عام 2015، فتمثلت –بحسب ابحيص– في محاولة تكريس مفهوم “المصلي الجيد والمصلي السيئ”، بحيث يصبح دخول المسجد مشروطًا بأداء الصلاة فقط، دون الاعتراض على الاقتحامات أو توثيق الانتهاكات أو المشاركة في أي نشاط دفاعي عن المسجد.

 

ويؤكد أن الاحتلال حاول من خلال هذه السياسة إقناع المقدسيين بأن من يتعرض للإبعاد هو من “تسبب في ذلك”، بينما كانت الحقيقة أن الإبعاد أصبح وسيلة لإعادة تشكيل وعي المصلين وإفراغ المسجد من أي حضور فاعل.

 

أما المرحلة الثالثة، التي برزت بعد هبة باب الرحمة عام 2019 واتسعت بصورة أكبر خلال الأعوام اللاحقة، فتقوم على استهداف ما يسميهم ابحيص “أهل المسجد”، أي المصلين والمرابطين الذين يحرصون على التواجد اليومي في الأقصى.

 

ويشير إلى أن شرطة الاحتلال باتت توزع أوامر الإبعاد حتى بعد انتهاء الصلوات، مستهدفة الوجوه المعروفة بمواظبتها على الحضور، في محاولة لتفريغ المسجد من حراسه الطبيعيين، وإضعاف قدرتهم على متابعة ما يجري داخله.

 

ويخلص ابحيص إلى أن الإبعاد أصبح اليوم أحد أهم أدوات الاحتلال في مشروع تفريغ المسجد الأقصى، إلى جانب سياسات الحصار، ومنع التصوير، وتحديد الأعمار، ومنع فلسطينيي الضفة الغربية من الوصول إليه، والتضييق على المقدسيين.

 

معاناة لا تنتهي بانتهاء قرار الإبعاد

 

ولا تقف آثار الإبعاد عند حدود المنع من دخول المسجد، بل تمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي والروحي للمبعدين.

 

وتقول المرابطة المقدسية هنادي الحلواني، التي تعرضت لسنوات طويلة لقرارات الإبعاد والاعتقال، إن الاحتلال يستخدم هذه السياسة “كعقوبة مستمرة تستهدف كسر ارتباط المقدسي بالمسجد الأقصى”.

 

وتضيف أن قرارات الإبعاد حرمتها من أداء الصلاة في المسجد خلال مواسم عديدة، ومن استكمال رسالتها التعليمية داخل الأقصى، وحتى من تحقيق أمنيات عائلية ارتبطت بالمسجد، مؤكدة أن المعاناة لا تنتهي بانتهاء مدة الإبعاد، لأن المبعد يعيش دائمًا هاجس استدعائه مجددًا أو تجديد القرار بحقه.

 

وفي إحدى شهاداتها، قالت الحلواني: “منذ اللحظة الأولى التي أُبعدت فيها عن المسجد الأقصى وأنا أقف على أبوابه… لن أبرح الأبواب حتى أبلغ تحرير المسجد الأقصى”، في تعبير يلخص حجم الارتباط الروحي الذي يحاول الاحتلال استهدافه من خلال سياسة الإبعاد.

 

وتؤكد أن الاحتلال يضاعف إصدار أوامر الإبعاد في فترات الأعياد اليهودية ومواسم الاقتحامات، بهدف إبعاد الشخصيات الأكثر حضورًا وتأثيرًا داخل المسجد، وتسهيل اقتحامات المستوطنين في ظل غياب المرابطين.

 

مخالفة للقانون الدولي

 

ويرى حقوقيون أن أوامر الإبعاد تفتقر إلى أي أساس قانوني حقيقي، إذ تصدر في كثير من الأحيان بقرار من ضابط شرطة أو قائد عسكري، دون محاكمة عادلة أو لائحة اتهام، وهو ما يجعلها إجراءً تعسفيًا يخالف قواعد القانون الدولي الإنساني.

 

كما تتعارض هذه القرارات مع اتفاقية جنيف الرابعة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللذين يكفلان حرية العبادة والوصول إلى أماكن العبادة، ويحظران فرض العقوبات الجماعية أو القيود التعسفية على السكان الواقعين تحت الاحتلال.

 

مشروع لتغيير الواقع في الأقصى

 

ويرى مراقبون أن سياسة الإبعاد لم تعد تستهدف أفرادًا بعينهم، بل باتت جزءًا من مشروع متكامل لإعادة تشكيل المشهد داخل المسجد الأقصى، عبر تقليص الوجود الإسلامي الدائم، وإبعاد الشخصيات الأكثر قدرة على توثيق الانتهاكات والتصدي لها بالوسائل السلمية.

 

ويحذر مقدسيون من أن استمرار هذه السياسة، إلى جانب الاقتحامات اليومية والتضييق على المصلين، يهدف إلى إضعاف الرابط بين الفلسطينيين والمسجد الأقصى، تمهيدًا لفرض وقائع جديدة عليه، بما يخدم مشاريع التهويد والتقسيم الزماني والمكاني.

 

وفي ظل تصاعد قرارات الإبعاد واتساع نطاقها، تبدو هذه السياسة اليوم واحدة من أخطر أدوات الاحتلال في استهداف المسجد الأقصى، ليس لأنها تمنع مئات الفلسطينيين من الصلاة فيه فحسب، بل لأنها تسعى إلى إفراغه تدريجيًا من مرابطيه وحراسه ورواده الدائمين، الذين شكلوا على مدار عقود خط الدفاع الشعبي الأول عن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

زر الذهاب إلى الأعلى