تقاريرميدان

في الذكرى الـ 57 لإحراق المسجد الأقصى … إنقاذ الأقصى مسؤولية أمة

 

تحلّ اليوم، 21 آب/أغسطس، الذكرى السابعة والخمسون لمحاولة إحراق المسجد الأقصى المبارك عام 1969، وهي ذكرى تأتي هذا العام في ظل مرحلة هي من الأخطر منذ احتلال القدس عام 1967، مع تسارع محاولات الاحتلال فرض وقائع جديدة داخل المسجد، تمس هويته الإسلامية.

 

 

وقبل 57 عامًا من اليوم، اشتعلت النيران في المصلى القبلي والتهمت أجزاء واسعة منه، وفي مقدمتها منبر نور الدين زنكي التاريخي، في جريمة هزّت العالم العربي والإسلامي. لكن الخطر الذي يواجهه الأقصى اليوم لم يعد محصورًا في حريق مادي يمكن إخماده؛ إذ بات المسجد أمام مشروع طويل النفس، تتراكم خطواته تدريجيًا بهدف إعادة تشكيل واقعه وهويته، وصولًا إلى تحويله من مسجد إسلامي خالص إلى مساحة تسعى جماعات “الهيكل” لفرض حضور ديني يهودي متصاعد فيها، تمهيدًا لما تطرحه من تصورات إحلالية للمكان.

 

 

من الحريق إلى تغيير الواقع

على امتداد العقود الماضية، وبعد محاولة الاستهداف المباشر للأقصى انتقل الاحتلال إلى سياسات تراكمية تقوم على تجاوز الخطوط الحمراء خطوة بعد أخرى، بحيث يصبح الاستثناء قاعدة، وما كان مستحيلًا قبل سنوات يتحول إلى مشهد متكرر داخل المسجد.

 

 

ومن أبرز استراتيجيات هذا المسار التهويدي الاستراتيجي:

التوسع المتواصل في اقتحامات المستوطنين: فمن ساعات محدودة في بداية فرض الاقتحامات المنظمة، امتدت فترات دخول المقتحمين خلال عام 2026 إلى نحو ست ساعات ونصف يوميًا، بالتزامن مع تضخم أعدادهم وتحول الاقتحامات إلى أفواج كبيرة ومتزامنة.

 

ولا تبدو زيادة الزمن والأعداد، منفصلة عن محاولة تكريس تقسيم زماني للمسجد، يمنح المستوطنين حضورًا ثابتًا ومتزايدًا فيه، ويفتح المجال مستقبلًا للمطالبة بأوقات إضافية، بما في ذلك اقتحامات مسائية أو في أيام لم تكن مشمولة بالاقتحامات سابقًا.

 

 

ولم تتوقف محاولات الاحتلال لقضم أجزاء مختلفة من الأقصى، من المصلى المرواني إلى المنطقة الشرقية ومصلى باب الرحمة، والزاوية الجنوبية الغربية من المسجد، ما يهدد المسجد الأقصى بمصير مطابق لما يجري اليوم في المسجد الإبراهيمي في الخليل.

 

 

الهيكل” في الوعي قبل المكان

ربما يعد التطور الأكثر خطورة، في مسار الإحلال الديني الذي يعمل عليه الاحتلال في المسجد الأقصى ما يعرف بـ “التأسيس المعنوي للهيكل”، فلم تعد استباحة الأقصى كافية في نظر جماعات “الهيكل” فلا بد من تغيير هوية المسجد.

 

 

فبعدما ظلت الطقوس التوراتية لسنوات تُؤدى بصورة مستترة أو محدودة، باتت مشاهد الصلاة العلنية والسجود الجماعي والغناء والرقص والتصفيق ورفع الأعلام الإسرائيلية جزءًا من اقتحامات متكررة.

 

 

ولا تكمن خطورة هذه المشاهد في ذاتها فقط، بل في محاولة تطبيعها في الوعي العام، بحيث يعتاد العالم رؤية مستوطن يؤدي طقوسًا توراتية داخل الأقصى، ثم مجموعة تؤدي الصلاة والسجود، ثم يُرفع العلم الإسرائيلي، حتى تتحول الممارسات التي كانت قبل سنوات تُعد تجاوزًا للخطوط الحمراء إلى صورة اعتيادية.

 

 

وبذلك يجري بناء تصور “الهيكل” في الوعي قبل محاولة تكريسه في المكان، وتحويل المسجد تدريجيًا إلى ساحة يدعي الاحتلال أنها قابلة لتعدد السيادة والهوية الدينية.

 

 

معركة من يملك القرار

وإلى جانب الزمان والمكان والهوية، تدور معركة قد تبدو هادئة، ولكنها شديدة الخطورة، تحت عنوان: من يدير المسجد الأقصى؟

 

فعلى مدار السنوات الماضية، عملت سلطات الاحتلال على انتزاع الصلاحيات من دائرة الأوقاف الإسلامية، وفرض التحكم بدخول المستوطنين ومواعيد اقتحاماتهم، والتدخل في أعمال الترميم والصيانة، وعرقلة تعيين الحراس والموظفين.

 

 

وخلال عام 2026 اتخذ هذا المسار أشكالًا أكثر حدة، مع تعطيل أعمال أساسية للأوقاف، وإبعاد موظفين وحراس عن أماكن عملهم، وعرقلة إدخال مستلزمات المسجد وصيانته، إلى جانب إغلاق أو تفريغ عدد من مرافقه، بينها مصلى باب الرحمة ودار الحديث الشريف وعدد من القباب.

 

 

وتكمن خطورة هذه الإجراءات في أنها تنقل الصراع من مسألة اقتحام المسجد إلى سؤال السيادة عليه: من يفتح أبوابه؟ ومن يقرر من يدخله؟ ومن يرممه؟ ومن يعيّن حراسه؟ ومن يملك القرار داخله؟

 

 

2026محاولة للقفز نحو الحسم

 

يحمل عام 2026 مؤشرات على انتقال الاحتلال من سياسة التغيير التدريجي إلى محاولة تسريع فرض واقع جديد في الأقصى.

 

فقد شهد المسجد خلال هذا العام مستويات غير مسبوقة من الاقتحامات، ووصل عدد المقتحمين في أحد أيام تموز/يوليو إلى 4288 مستوطنًا، بالتزامن مع ممارسات وطقوس علنية وتجاوزات طالت مساحات قريبة من قبة الصخرة.

 

وفي أيار/مايو، وصل مستوطنون بعد صلاة العصر إلى صحن قبة الصخرة وقدموا ما وصفوه بـ”القرابين النباتية”، فيما تتواصل مطالب جماعات “الهيكل” بتوسيع أوقات الاقتحام وفتح المسجد أمام المستوطنين في أوقات وأيام إضافية.

وبذلك لم يعد السؤال مقتصرًا على حجم الانتهاك القائم، بل على الخطوة التالية التي يمكن أن يحاول الاحتلال فرضها إذا استمر تجاوز الخطوط الحمراء من دون استعادتها.

 

التاريخ يقول إن الوقائع يمكن كسرها

 

لكن تاريخ المسجد الأقصى خلال العقود الماضية يؤكد أن محاولات فرض الأمر الواقع لم تكن دائمًا نهائية.

 

فعندما حاول الاحتلال فرض بوابات إلكترونية على مداخل المسجد عام 2017، أدى الحراك الشعبي والرباط المقدسي إلى التراجع عنها. وفي عام 2019، أعاد المقدسيون فتح مصلى باب الرحمة بعد سنوات من الإغلاق، كما شهد الأقصى محطات متكررة كان فيها الحضور الشعبي والاعتكاف والرباط عاملًا أساسيًا في كبح خطوات تهويدية جديدة.

 

وفي ذكرى إحراق الأقصى اليوم، يحضر السؤال الذي يقول: ما الذي يجب فعله أمام ما يجري في المسجد الأقصى اليوم؟

 

إنقاذ الأقصى مسؤولية أمة

 

تتطلب حماية الأقصى اليوم مسارات متكاملة، تبدأ باستعادة قوة الإدارة الإسلامية للمسجد وتعزيز دور الأوقاف وحضورها وقدرتها على أداء وظائفها، ولا بد أيضًا من إحياء الفعل الشعبي الفلسطيني والرباط والحضور في المسجد، والبناء على التجارب التي نجحت في منع تثبيت وقائع سابقة.

كما تحتاج القضية إلى انتقال الشعوب العربية والإسلامية من متابعة أخبار الأقصى إلى مبادرات سياسية وقانونية وإعلامية منظمة، وإلى إدخال الدول العربية والإسلامية المؤثرة في معادلة حقيقية لحمايته، إلى جانب تقدم العلماء والمؤسسات الدينية والفكرية إلى موقع المبادرة بدل انتظار وقوع الاعتداء ثم الاكتفاء بإدانته.

 

فالأقصى ليس مسؤولية المقدسي وحده، ولا الفلسطيني وحده، ولا الأردن وحده؛ بل هو قضية أمة بأكملها.

 

وبعد 57 عامًا على الحريق، لا يقف المسجد الأقصى أمام حادث عابر ينتهي بانتهاء يومه، بل أمام مسار طويل تتراكم فيه الوقائع خطوة بعد أخرى. وكل طقس يُمرر اليوم قد يُطرح غدًا باعتباره حقًا مكتسبًا، وكل مساحة يُتراجع عنها قد تتحول إلى نقطة انطلاق للمطالبة بالمزيد.

 

وتاريخ الأقصى يقول أيضًا إن الأبواب التي أُغلقت يمكن أن تُفتح، والوقائع التي حاول الاحتلال تثبيتها يمكن أن تتغير عندما تتحول الإرادة إلى فعل، والوعي إلى حركة، والمسؤولية إلى موقف.

 

في الذكرى السابعة والخمسين للحريق، تبقى الرسالة الأوضح: حماية المسجد الأقصى لا تكون برثائه بعد كل اعتداء، بل بالتحرك قبل تثبيت الاعتداء كأمر واقع؛ فالمعركة على الأقصى ليست معركة حجارة وجدران وحدها، بل معركة هوية وذاكرة وعقيدة وتاريخ ومستقبل.

 

وإنقاذ الأقصى ليس شعارًا.. إنقاذ الأقصى مسؤولية أمة.

زر الذهاب إلى الأعلى