“لماذا لم نعد نعرف بلدنا”؟
كان هذا السؤال البسيط هو الشرارة الأولى التي أشعلت وقود حب الأرض في قلب الشاب الفلسطيني “صهيب سمارة” ابن قرية بروقين قضاء سلفيت، حين مضى بدراجته الهوائية يتأمل أزقة القرى والمدن الفلسطينية، فكان يرى طرقًا مزدحمة بالسيارات ووجوهًا تعبر مرو الغرباء على أرضها.
“أدركت أن علاقتنا ببلادنا غريبة، فلم نعد نكتشف الأماكن ولا نتوقف عند حكاياتها، ولا نلتفت لتفاصيله، ولم نتعرف على الأزقة عن قرب”، هكذا بدأ سمارة حديثه مع منصة القدس 360، وفكرة تأسيسه لفريق “فلسطين عالبسكليت” لتعريف المتجولين في الأرض على طبيعة الأرض والقرى، وشعارهم: “نحن أحق الناس بأرضنا والتجول بها لأن الأرض أرضنا”.
لم تكن المبادرة مجرد جولات ترفيهية على دراجة، بل كانت مشروعًا يحمل أكثر من غاية في آنٍ واحد، يقول “سمارة”: “تحمل المبادرة هدفًا رياضيًا هو إحياء ثقافة ركوب الدراجات في فلسطين، بعد أن كانت هذه الرياضة شبه غائبة عن المشهد العام، كما أن هناك هدفًا يتعلق بصمود الناس على الأرض”.
ويكمل: “في موسم الزيتون كان المشاركون ينظّمون أنفسهم ويقصدون الحقول لمساندة العائلات في قطف ثمارها، لا بوصفهم زوّارًا، بل شركاء في تعب الأرض وفرح الحصاد، وفي التجمعات البدوية، كانوا يتوقفون ليسألوا عن الاحتياجات، ويساعدوا بما تيسّر، وفي الأغوار الشمالية كانوا يذهبون مع المزارعين إلى الحقول، يقطفون المحاصيل ويشاركونهم يومهم الطويل تحت الشمس”.
كما أضاف في حديثه أن هناك هدفًا اجتماعيًا للمبادرة فقد كانت الجولات مساحة للقاء والتعارف، وتبادل الحكايات بين قرية ومدينة، وبين جيلٍ وجيل، وكـأن الدراجة جسر صغير يعيد بناء أواصر العلاقة داخل المجتمع.
يستعيد “سمارة” في حديثه مع منصة القدس 360 تفاصيل الجولة الأولى، تلك التي شكّلت الانطلاقة الفعلية للمبادرة، حيث وجّه دعوته يومها إلى شباب وبنات من مناطق مختلفة في فلسطين، دون حسابات مسبقة لعدد المشاركين أو امتداد التجربة، فاشترى عددًا من الدراجات الهوائية على نفقته الخاصة، وحدد مسارات بسيطة، وخرج معهم في جولات لا تحمل سوى شغف الاكتشاف والرغبة في استعادة العلاقة مع المكان.
وخلال التجوالات حرص “سمارة” على أن يتجاوز الأمر الهدف الرياضي، فأطلق مبادرات كثيرة في تجواله كمبادرة “ليست قمامتي.. ولكن هذا وطني”، حيث قامت المبادرة على تنظيم جولات إلى مناطق مختلفة من فلسطين التاريخية لتنظيف الطرقات والأحراش والمناطق المفتوحة من القمامة، في رسالة واضحة مفادها أن حماية الأرض مسؤولية جماعية، ويتابع سمارة أن الجولات لم تقتصر على المناطق المعروفة أو السهلة الوصول، بل وصلت إلى مناطق معزولة ومهمّشة.
لم تكن البداية كبيرة في أرقامها، لكنها كانت عظيمة في هدفها، ومع مرور الوقت أخذت الدائرة تتسع، وبعد اثني عشر عامًا من الجولات المتواصلة، يقول سمارة: “إن المبادرة استطاعت أن تجمع أكثر من ثلاثين ألف مشارك، ساروا معه على طرق القرى والمدن الفلسطينية، ليصبح ما بدأ كمحاولة فردية مشروعًا مجتمعيًا واسع الأثر، قبل أن تبدأ حرب الإبادة ويتوقف كل شيء!”
واحترامًا للدم النازف في غزة، قرّر “سمارة” رئيس فريق “فلسطين عالبسكليت” إيقاف أنشطة المبادرة طوال فترة حرب الإبادة، فلم يكن القرار انسحابًا ولا تراجعًا، بل موقفًا أخلاقيًا ينسجم مع وجع الناس وحجم الفقد، غير أن هذا التوقف ظلّ مؤقتًا، فما إن توقّفت الحرب حتى عادت المبادرة إلى مساراتها، متحدّيةً من جديد المعيقات التي يفرضها جنود الاحتلال، وصعوبات التنقّل بين القرى والمدن، كما كانت تفعل دائمًا.
عاد صهيب إلى جولاته في الأرض.. ولكن هذه المرة عاد حاملًا شعار صديقه الراحل قبل شهر الحكواتي الفلسطيني “حمزة العقرباوي” الذي كان يجوب البلاد ويدعو الناس إلى التجوال ليكتشفوا الأرض ويعرفوها حقّ المعرفة قائلًا عبارته الشهيرة: “تجول في الأرض تعرفها”، وكأن الجولات صارت امتدادًا لصوتٍ غاب جسدُه، وبقيت رسالته حيّة: “أن الأرض تُعرَف بالمشي فيها”.




