تقارير

بؤرة “أور سوماياخ” الاستيطانية..

خنجر تهويدي يُمزق النسيج السكاني لحي الشيخ جراح

في خطوة تصعيدية تعكس تسارع وتيرة التهويد في مدينة القدس المحتلة، صادقت لجان التخطيط والبناء التابعة لبلدية الاحتلال الإسرائيلي مؤخراً على مخطط استيطاني ضخم يهدف إلى إقامة مدرسة دينية يهودية كبرى في قلب حي الشيخ جراح. ويأتي هذا المخطط، الذي يحمل اسم مؤسسة “أور سوماياخ”، كحلقة مركزية ضمن مساعي أذرع الاحتلال لخلق واقع استيطاني ديموغرافي وعمراني للشيخ جراح بشكل خاص، ولقلب القدس بشكل عام، عبر توظيف أدوات التخطيط و”القانون”.

تفاصيل مشروع “غلاسمان يشيفا”

بحسب المعطيات وما نشره الإعلام الإعلام العبري، تُشرف مؤسسة “أور سوماياخ” بشكل مباشر على تنفيذ هذا المشروع. وهي مؤسسة دينية يهودية “حريدية” تأسست في عام 1970، وتتركز أهدافها المعلنة في استقطاب الطلاب اليهود الجامعيين ذوي التوجهات العلمانية لدمجهم في دراسة التلمود. وتمتلك المؤسسة فروعاً عدة في الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، وجنوب إفريقيا، بينما تتخذ من القدس المحتلة مقراً رئيسياً لها، وتحديداً في حي “معالوت دفنا” الاستيطاني الملاصق لحي الشيخ جراح.

وحظي المشروع بتسهيلات حكومية ورسمية استثنائية من قبل مؤسسات الاحتلال، ففي عام 2007 أقدمت بلدية الاحتلال على التنازل عن قطعة الأرض التي كانت قد استولت عليها والمستهدفة بالمشروع لمصلحة ما يُسمى “سلطة أراضي إسرائيل”، والتي بادرت بدورها بنقل ملكيتها إلى مؤسسة “أور سوماياخ” دون طرح أي مناقصة عامة وبناءً على هذا النقل قدمت المؤسسة مخططاً هيكلياً لبناء مدرسة دينية أُطلق عليها اسم “غلاسمان يشيفا”، تمت المصادقة عليه مؤخراً.

ويمتد المشروع الاستيطاني على مساحة تبلغ نحو خمسة دونمات، ويتكون من مبنى شاهق يصل ارتفاعه إلى 11 طابقاً، ليصبح بذلك أضخم الأبنية في حي الشيخ جراح. ولا يقتصر المبنى على المرافق التعليمية فحسب، بل يضم أقساماً سكنية تتسع لمئات الطلاب من المستوطنين، بالإضافة إلى مساكن مخصصة لأعضاء الهيئة التدريسية وعائلاتهم، وهو ما يُحيله عملياً إلى بؤرة استيطانية متكاملة الأركان تتخذ من الغطاء التعليمي ستاراً للتمدد التهويدي.

خنجر في النسيج العمراني

وفي قراءته لأبعاد المشروع، يوضح الباحث في مؤسسة القدس الدولية، علي إبراهيم، في حديث لقدس 360 أنّ “خطورة المخطط تكمن في موقعه الاستراتيجي الحساس”.

ويشير إبراهيم إلى أنّ “المشروع يقع على طول المدخل الجنوبي للحي مقابل مسجد الشيخ جراح مباشرة ويتوسط تجمعات سكنية فلسطينية مكتظة”.

ويصف الباحث هذا المخطط بأنه يجعل من المبنى “خنجراً في النسيج العمراني والاجتماعي للحي الواقع في موقع استراتيجي في قلب القدس المحتلة”.

ويضيف إبراهيم أنّ “من أبرز المآلات المرتقبة لهذا المخطط هو تشديد الخناق الأمني والمعيشي على السكان الفلسطينيين. فزرع مئات المستوطنين والطلاب المتشددين في قلب حي عربي سيتطلب، بحسب العقيدة الأمنية للاحتلال، تعزيزاً كبيراً للتواجد الشرطي والعسكري في محيط المدرسة والطرق المؤدية إليها، وهو ما يعني تحويل حياة الأهالي إلى معاناة يومية تقيد حركتهم وتضيق عليهم سبل العيش”.

وفي ختام حديثه لقت إبراهيم النظر إلى نقطة جوهرية وردت في التقرير السنوي حال القدس 2025 الصادر عن مؤسسة القدس الدولية وتتعلق بـ “توظيف سلطات الاحتلال لمفهوم “التجديد الحضري” كذريعة قانونية، ففي الوقت الذي تُمنع فيه العائلات الفلسطينية من إضافة غرف جديدة أو ترميم منازلها المتهالكة، تُمنح التراخيص الاستثنائية لبناء بؤر استيطانية شاهقة تحت يافطة التطوير، مما يفتح الباب واسعاً أمام توسيع الحضور الاستيطاني وتجريد المقدسيين من أراضيهم”.

أداة جيوسياسية لتمزيق القدس

من جانبه، أكدّ الباحث المختص في الشأن المقدسي، زياد ابحيص، في حديث لقدس 360 أنّ٬ “مشروع (أور سوماياخ) لا يمكن النظر إليه كصرح تعليمي اعتيادي، بل هو في صميمه أداة جيوسياسية مصممة بعناية فائقة”.

وأضاق ابحيص: “الهدف الاستراتيجي الأبرز لهذه البؤرة هو بتر التواصل الجغرافي الفلسطيني بين أحياء القدس الشرقية، وتثبيت موطئ قدم دائم وكثيف للمستوطنين في نقطة ارتكاز حيوية كحي الشيخ جراح”.

وحذر ابحيص من أنّ “هذا المشروع يمثل حلقة شديدة الخطورة في مسلسل التهويد، إذ يفتح الباب مجدداً أمام سيناريوهات التهجير القسري. فموقع المبنى الملاصق لمنازل الفلسطينيين سيجعل عشرات العائلات المجاورة عُرضة دائمة لاعتداءات المستوطنين، سواء خلال فترة البناء والتشييد، أو بعد تشغيل المدرسة وتوافد الطلاب إليها”.

وختم ابحيص حديثه بالتأكيد على أنّ “أذرع الاحتلال ستتخذ من هذه المدرسة لاحقاً نقطة انطلاق وذريعة أمنية لقضم المزيد من العقارات وتوسيع دائرة الاستيطان في محيطها”.

سباق تهويدي متصاعد

ولا ينفصل ما يجري في حي الشيخ جراح عن الهجمة الديموغرافية الشاملة التي تشنها سلطات الاحتلال في مختلف أنحاء العاصمة المحتلة. ويتزامن إقرار هذا المخطط مع تصاعد وتيرة عمليات الهدم وتوزيع الإخطارات في أحياء أخرى قريبة، لا سيما في بلدة سلوان الحامية الجنوبية للمسجد الأقصى المبارك.

وتسعى حكومة الاحتلال وبلديتها، من خلال هذا التسارع في فرض الوقائع على الأرض، إلى استباق أي تسويات مستقبلية عبر محاصرة الأحياء المقدسية، وتحويل التجمعات العربية إلى جزر معزولة غارقة في محيط من البؤر الاستيطانية، في محاولة يائسة لطمس الهوية العربية والإسلامية المتجذرة في القدس.

زر الذهاب إلى الأعلى