إنسانفلسطين وناسها

من هبة النفق إلى الإبادة.. دمٌ واحد وحكايتان

 

تمتد الحكايات في فلسطين من جيل إلى جيل، لا تنتهي عند غياب أصحابها، فثلاثون عامًا قد تفصل بين رصاصةٍ وأخرى، لكنّها لا تكفي لمحو الأسماء، ولا لطيّ سيرة الشهداء.. هناك..تجد أن الابن قد يرث دربًا لم يختر بدايته، ويجد نفسه امتدادًا لحكايةٍ ظنّ العالم أنّها انتهت.

في هبّة النفق عام 1996م ارتقى خميس شراب شهيدًا، وظلّ اسمه حاضرًا في ذاكرة خانيونس، شاعرًا ومجاهدًا حمل هم الأقصى في قلبه وقصائده، وبعد أعوام، ارتقى ابنه محمود شهيدًا في حرب الإبادة على غزة، وعادت الحكاية التي تركها الأب معلّقةً في وجدان العائلة، لتُكتب بدم الابن!

كان محمود وصيّة أبيه الأخيرة، ذلك الذي طارده الاحتلال كما لو أنّ ضحكته التي عرف بها بين الناس محرّمة في غزة، وكلماته التي ينشد بها للوطن سببًا لأن يسلبه حياته، فرحل الأب، وبقي الابن وريث الحكاية، يحمل اسمه وملامحه.
على منصّة المدرسة، كان يقف ويعرّف عن نفسه باعتزاز:

“أنا ابن خانيونس، محمود شراب، ابن البطل خميس شراب، الذي ثأر للأقصى حين حفروا نفقًا تحت بنائه المقدّس، ابن الشاعر المفوّه الذي أنشد وكتب للوطن والبحر والأقصى والمآذن والشهداء”.

عرف محمود أباه من الحكايات، ومن القصائد، ومن الاسم الذي ظلّ أكبر من غيابه، ففي هبّة النفق عام 1996، حين حاول الاحتلال حفر نفقٍ أسفل المسجد الأقصى بمحاذاة جداره الغربي قرب حائط البراق، انتفض “خميس شراب” غضبًا للأقصى، وأشهر سلاحه في وجه من امتدّت أيديهم إلى المقدّسات، فقاوم وجاهد واشتَبك، وكان واحدًا من أولئك الذين حملوا إلى الاحتلال رسالةً واضحة “الأقصى خطّ أحمر، لا يُترك وحيدًا أمام انتهاكٍ أو تدنيس”
وفي تلك المواجهات، ارتقى عشرات الفلسطينيين، وقُتل جنود إسرائيليون، وأُغلق النفق مؤقتًا، لكنّ الحكاية لم تُغلق، بل ظلّت في صدر خميس، وفي ذاكرة ابنه الذي كبر على سيرة رجلٍ جمع بين بندقية المقاتل وقصيدة الشاعر.
بعد عامين، كانت غزة تتقلّب بين هدنةٍ واجتياح، وضحكةٍ ودمعة..

لم ينسَ الاحتلال خميس شراب، كان اسمه على قائمة المطلوبين، بعدما آوى المطاردين في بيته، فقد كان مقاتلًا شرسًا آلمتهم بطولاته، وشاعرًا يحمل الوطن أينما اتّجه، فخشوا كلماته كما خشوا سلاحه، ومع ذلك، لم يكن حضوره بين الناس قائمًا على شدّته في المواجهة وحدها، كان حريمًا بجيرانه، قريبًا من وجعهم، يمدّ يده إليهم في الشدائد، ويواسيهم حين تضيق بهم الحياة، ويزرع الضحكة في وجوههم.

وفي يوم من أيام الجمعة، بينما كان يرتّل ورده اليومي، اقتحمت وحدة كوماندوز إسرائيلية، مدجّجة بالمناظير الليلية ومدعومة بدبابة، بيت العائلة في خانيونس، بالقرب من مستوطنة “ميراج الغربية”، كان “خميس” يجلس عند مدخل البيت، ومصحفه في يده الذي لم يكن يفارقه، فأفرغ جنود الاحتلال رصاصهم في جسده النحيل، وأصابوه بثلاثين رصاصة!

غاب خميس، وبقيت سيرته تكبر في ابنه “محمود” الذي مضى على دربه، فاليد التي كانت تربّت على أكتاف الجيران والمساكين، امتدّت في يده، والقلب الذي كان يتوجّع لوجع الناس، سكن صدره، حتى أطلقوا عليه ألقابًا كثيرة “ضحكة خانيونس”، و”وجه خميس العائد”، و”كوميدي غزة”، و”سعادة جديدة”، و”أبو المقالب”، فكانت ضحكته تعرف طريقها إلى القلوب، وفي محبّته للناس امتدادٌ لأثر أبيه الراحل.

ومع اندلاع حرب الإبادة على غزة، أصابه الذهول في أيامها الأولى، فكيف للاحتلال أن يسرق من الناس أحلامهم وضحكاتهم وبيوتهم، وأن ينتزع منهم حقّهم في الحياة بهذا الخراب كلّه؟ ظلّ السؤال يثقل قلبه حتى سمع، ذات ليلة، بكاء طفلٍ صغير في الخيمة المجاورة، عندها استعاد صورة أبيه اليد المعطاءة التي كانت جسرًا لكل خير، فانتفض قلبه لمساعدة الناس.
راح يُضحك الأيتام، ويحاول أن يعيد إلى وجوههم ابتساماتٍ بدّدها الفقد والرعب والجوع، فلم يكن يملك أن يوقف الحرب، لكنه كان يعرف كيف يخفّف وطأتها عن القلوب، وكيف يمنح المكلومين لحظةً يلتقطون فيها أنفاسهم، قبل أن يبتلعهم الوجع من جديد.

قبل الحرب التي سرقت بهجة الأيام، كان محمود فنانًا كوميديًا اختار أن يبدأ مشواره من شوارع غزة وشاطئ بحرها وبيوت مخيماتها، فصوّر حلقاتٍ تحمل هموم الناس في قالبٍ ساخر، وتمزج الكوميديا الهادفة بالنقد الاجتماعي البنّاء، وقدّم برامج وأعمالًا، منها “على الرصيف”، و”تغيير جو”، و”غزة إبرة”، و”ميلاد الفجر” وجعل من الضحك مساحةً لقول ما يخفف ثقل الحياة.

وحين اندلعت الحرب، لم يحمل بندقيةً في وجه الاحتلال، حمل ضحكته، ويده البيضاء، واسم أبيه، وجعل من وجع غزة ضحكةً تخادع الألم، ومن حضوره بين الناس سلاحًا في وجه قسوة الحرب، فكانوا يقولون له: “اللي خلّف ما مات”، وكان أبوه حاضرًا في كل ما يفعل، في اسمه الذي تنطقه أمّه، وفي حكايات الشهداء التي كان يبحث بين سطورها عن أبيه، وفي صدى التكبيرات عند كل جنازة، وفي صرخة يتيمٍ فقد معيله، هناك، كان محمود يجد نفسه من جديد: مبادرًا إلى الخير، يسعى إلى سقيا النازحين، ويوزّع الطرود الغذائية، ويخفّف ما استطاع من قهر الذين اقتُلعوا قسرًا من بيوتهم.

ولأنّ الحروب لا تضحك، ولأنّ الاحتلال لم ينسَ اسم أبيه، ولأنّ الضحكات في بلادنا قد تُصبح تهمة، أطلق الاحتلال رصاصته على قلب محمود، وارتقى شهيدًا، وبقيت ضحكته معلّقةً في وجوه الذين أسعدهم، وبقيت يداه شاهدتين على ما صنعتا من خير.

لكنّ لمحمود حكايةً أخرى لم تكتمل؛ حكاية ابنته دلال، التي تركها عند معبر رفح في بداية الحرب، تنتظر أن يسافر إليها ويلحق بها، فقد كان يتيمًا يعرف معنى أن يكبر المرء وفي قلبه مكانٌ فارغ لا يملؤه أحد، ولذلك خشي دمعتها، وأوجعه انتظارها، وبكى كثيرًا على أبواب المعبر المغلقة، وعرف أكثر من غيره، أنّ دمعة اليتيم لا تخرج من عينيه وحدهما، بل تنبع من قلبه، وتستقرّ في أيامه كلّها.

كانت دلال تسأله: متى تأتي؟

وظلّ السؤال معلّقًا عامًا ونصف العام، لا يجد له جوابًا، لم يكن يعرف كيف يشرح لطفلته أنّ الأبواب مغلقة، وأنّ المسافة التي تفصل بينهما ليست طريقًا يستطيع قطعه، وأنّ الحرب تقف بين أبٍ وابنته، وتحول دون عناقٍ انتظراه طويلًا.
ثم جاءت رصاصة الاحتلال، فأجابت دلال بما لم يكن أبوها يريد لها أن تعرفه: صار اسمه في سجلّ الشهداء، وصارت هي ابنة شهيد، وما بين ضحكتين مغتالَتين، بكت قلوبٌ كثيرة، وما بين يدين امتدّتا للخير، وقف أخوه عند جثمانه، يرفض أن تُربط يداه استعدادًا للدفن، فصرخ في وجه من أرادوا تقييدهما:

“فكّوا الرباط، فلم تقدّم يدُ محمود إلا الخير”

كانت يداه قد قالتا ما يكفي، سقَتا عطاشى، وأطعمتا جائعين، ومسحتا دموعًا، وربّتتا على أكتاف المقهورين، ولم تعرفا طريق الأذى، ولم تمتدّا إلا لتعينَا وتواسيَا وتمنحَا.

وبين رصاصتين، اغتيل قلبان.. قلب الأب الذي قاوم الاحتلال وكتب للوطن، وقلب الابن الذي قاوم القهر بالضحكة، وطبّب أكتاف الموجوعين، وخادع الألم بابتسامة.

رحل خميس قبل ثلاثين عامًا، فلحق به محمود بعد عقود، وبقيت الحكاية مفتوحةً على ذاكرة وطنٍ لا يكفّ عن تقديم أبنائه!

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى