“استديو الوطن”.. صوتٌ لا تحاصره الإبادة
من بين الركام، خرج مبدعون في غزة يبتكرون من قلب الحاجة، ويصنعون من الإمكانات البسيطة ما يعينهم على مواصلة أحلامهم، فحين تحاصر الحرب أدواتهم، تتّسع حيلتهم، وحين تضيق بهم السبل، يبحثون عن نافذة يعبرون منها إلى ما يريدون، مؤمنين بأن الإبداع لا يحتاج دائمًا إلى وفرة الإمكانات، بقدر ما يحتاج إلى إرادة لا تعرف للاستسلام طريقًا.
على باب خزانة ملابسه، علّق المعلق الصوتي الغزي يحيى محمود لوحة كتب عليها “استوديو الوطن”، ثم حوّل الخزانة من الداخل إلى استوديو متكامل للتعليق الصوتي، متحديًا الحرب التي سلبته أدواته وحاصرته بإمكاناتها الشحيحة.
فلم يسمح لأحلامه أن تُحاصر معه، فاستبدل بهاتفه المحمول أدوات التسجيل التي فقدها، وأمسك كتابًا يقرأ منه نصوصه، محاولًا أن يجعل من صوته نافذةً تعبر من غزة إلى العالم!
في هذا الاستوديو، كان لكل قطعة حكاية ابتكار.. فجوربٌ يلتف حول الهاتف الذي يسجّل به صوته، ليؤدي وظيفة منقّي الصوت، وإسفنجة يعلّقها داخل الخزانة، وكرتونة بيض يلصقها على جدرانها للمساعدة في عزل الصوت.
كما لم يترك محمود جدران خزانته صامتة، فعلّق عليها قصاصات ورقية خطّ عليها عبارات تختصر أحلامه ومخاوفه وإصراره، من بينها: “حقي أعيش بسلام”، و”أنت أقوى من كل الظروف”، و”أتحدى الصعاب”، و”صوتي يسافر وأنا لا”. وبين هذه العبارات، كتب سؤالًا ظلّ يتردّد في ذهنه: “هل سيصل صوتي للعالم؟”.
تحدّثت منصة القدس 360 مع المعلّق الصوتي “محمود”، استهل حديثه بالقول: “كنت أريد أن أوصل رسالتي رغم شحّ الإمكانات”، كما يروي محمود كيف حاول التمسّك بشغفه بالتعليق الصوتي رغم ما فرضته الحرب من قيود، وكيف دفعه إصراره إلى ابتكار بدائل بسيطة للمعدّات التي يحتاجها، ليتمكّن من تسجيل صوته وإيصاله إلى العالم، يقول: “كان الهدف الأسمى هو الحفاظ على حلمي الذي أرادت الحرب انتزاعه مني أكثر من كونها ممارسة هواية، وإثبات للجميع أن الموهبة لا تتوقف على وفرة الأدوات، وأن الإنسان يستطيع أن يصنع من أبسط ما يملك بدايةً لطريقه”.
يضيف محمود: “اخترت أن يكون أول نص أسجّله في الاستديو عن تحدّي الصعاب وعدم الاستسلام للظروف في بداية الإبادة، وأردت أن تكون رسالةً محفزة لي وللموهوبين في غزة كي لا يجعلوا الحرب تنهي أحلامهم، وبينما يسعى الاحتلال إلى تدمير مقوّمات الحياة في غزة، أرى في مواصلة حلمي تحدّيًا لمحاولات قتل الأمل في دواخلنا”.
يختم حديثه: “قبل الإبادة قدّمت عديدًا من الأعمال التي أتاحت لي ممارسة شغفي وتطوير موهبتي، لكنّ الإبادة قلبت تفاصيل حياتي المهنية رأسًا على عقب، فمع تصاعد القصف، وضجيج الطائرات الذي لا يفارق سماء غزة، وتدمير أماكن العمل وما تضمّنته من معدّات وأجهزة تسجيل، وجدت نفسي أمام واقعٍ يسلبني الأدوات التي اعتدت الاعتماد عليها، ويهدّد بإبعادي عن المجال الذي أحبّه، ومع انعدام الإمكانات وصعوبة الوصول إلى استوديوهات التسجيل، لم يكن أمامي سوى البحث عن بديلٍ يُبقي صوتي حاضرًا”.
بين جدران خزانته، رمّم “محمود” ما عجزت الحرب عن ترميمه في الخارج: “قدرتَه على الحلم، وإيمانَه بأنّ له في هذا العالم مكانًا رغم الموت




