مع بزوغ الفجر، تحمل أم محمد قفيشة حقيبتها الصغيرة وتغادر منزلها في البلدة القديمة بمدينة الخليل متجهة لشراء احتياجات أسرتها.
رحلة لا تستغرق في الظروف الطبيعية سوى دقائق، لكنها هنا قد تمتد طويلا بسبب الحواجز العسكرية والإغلاقات، فيما يرافقها هاجس آخر يتمثل باحتمال التعرض لمضايقات من المستوطنين المنتشرين في محيط الحرم الإبراهيمي.
هذا المشهد يتكرر يوميا مع مئات العائلات الفلسطينية التي ما زالت تتمسك بالبقاء في البلدة القديمة، رغم ما يصفه السكان بسياسة تضييق طالت مختلف تفاصيل حياتهم، من الحركة والعمل والتعليم، وصولًا إلى العلاقات الاجتماعية.
في الأزقة الحجرية والأسواق العتيقة، تبدو آثار هذه التحولات واضحة؛ عشرات المحال التجارية أغلقت أبوابها، وحركة المتسوقين تراجعت بصورة كبيرة، بينما يواصل من تبقى من التجار فتح أبواب رزقهم في محاولة للحفاظ على وجودهم داخل المدينة القديمة.
وتقول أم محمد قفيشة، وهي من سكان محيط الحرم الإبراهيمي، إن الحياة لم تعد كما كانت من قبل.
وأضافت لـ”قدس 360″: “كل صباح أخرج من البيت أنا وأولادي و أفكر إن كنا سنعود بسهولة أم سننتظر طويلا على الحاجز. حتى شراء الخبز أو الدواء أصبح يحتاج إلى وقت وجهد، بعدما كانت هذه الأمور جزءا طبيعيا من حياتنا”.
وتتابع: “أكثر ما يؤلمني هو أطفالي، عندما يذهبون إلى المدرسة أبقى أنتظر عودتهم بقلق، كبروا وهم يشاهدون الجنود والحواجز أكثر مما عرفوا الملاعب وأماكن الترفيه”.
وتوضح أن القيود لم تعد تقتصر على الحركة، بل انعكست على الحياة الاجتماعية أيضاً.
وتقول: “في الأعياد والمناسبات نفتقد حضور كثير من أقاربنا، لأن الوصول إلى البلدة القديمة أصبح صعبا، نشعر أحيانًا أننا نعيش في عزلة داخل مدينتنا، وذلك لأن أكثر من 9 حواجز عسكرية تحيط بالبلدة القديمة، مع بوابات حديدية، وتفتيش وتضييق”
ورغم ذلك، تؤكد أن عائلتها لن تغادر منزلها، مضيفة: “هذا بيتنا، وهنا تاريخنا وذكرياتنا. الرحيل ليس خيارًا، لأن بقاءنا هو دفاع عن حقنا في هذه المدينة”.
ويرى الحقوقي أحمد اعسيلي أن ما تشهده البلدة القديمة في الخليل لا يمكن قراءته بمعزل عن واقع مدينة القدس، التي تواجه بدورها تحديات تمس سكانها الفلسطينيين ومحيطها التاريخي.
ويضيف لـ”قدس 360″ إن ما يجري في الخليل “لم يعد مجرد إجراءات أمنية، بل منظومة من القيود والإجراءات التي أثرت في مختلف مناحي الحياة، بدءا من الاقتصاد والتعليم، وصولا إلى الاستقرار الاجتماعي والنفسي للسكان”.
وأضاف أن البلدة القديمة في الخليل، كما هو الحال في البلدة القديمة بالقدس، تتعرض لضغوط مستمرة تستهدف الإنسان والمكان معا، مشيرا إلى أن “التضييق على السكان، وإغلاق الأسواق، وتقييد الحركة، وخلق بيئة طاردة للحياة، كلها عوامل تؤدي إلى إضعاف الوجود الفلسطيني في مناطق تحمل قيمة تاريخية ودينية استثنائية”.
وأوضح أن الأسواق التاريخية المحيطة بالمسجد الإبراهيمي فقدت جزءًا كبيرًا من نشاطها نتيجة القيود المفروضة على الحركة، فيما يعيش السكان حالة من الضغط النفسي المستمر بسبب الحواجز العسكرية والوجود المكثف للمستوطنين.
وأشار إلى أن ما يجمع القدس والخليل هو أن المدينتين تمثلان مركزا للهوية الفلسطينية، الأمر الذي يجعل أي تغيير في واقعهما يتجاوز البعد المحلي ليطال الإرث الحضاري والثقافي للشعب الفلسطيني بأكمله.
وأكد أن حماية السكان في البلدة القديمة، والحفاظ على الطابع التاريخي للمدينة، يتطلبان تحركا جادا من المؤسسات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، لضمان احترام حقوق المدنيين وصون التراث الإنساني في المدينتين.
ورغم المشهد الصعب، لا يزال سكان البلدة القديمة يصرون على فتح محالهم، وإرسال أطفالهم إلى مدارسهم، والتمسك بمنازلهم، معتبرين أن البقاء في المدينة هو شكل من أشكال الدفاع عن الهوية والوجود.
وفي مدينة كانت شوارعها تعج بالحياة، أصبحت الحواجز جزءا من المشهد اليومي، لكن إرادة سكانها لا تزال حاضرة، في رسالة تتكرر من الخليل إلى القدس، مفادها أن حماية المدن التاريخية تبدأ بحماية الإنسان الذي يعيش فيها، ويحمل ذاكرتها، ويتمسك بالبقاء فوق أرضها رغم كل التحديات.




