في فلسطين.. امتلأ شهر تموز بالمجازر والإبادة والتهجير والتهويد!
فقد واصلت آلة الحرب حصد أرواح المدنيين وتجويعهم وحصارهم، بينما روج الاحتلال أن الهدنة سارية، ونشر رايات مضللة عن تراجع عملياته العسكرية، في وقت كانت الإبادة تتواصل على الأرض بلا انقطاع.
وفي غزة كان تموز شهرًا داميًا على امتداد أيامه، واصل الاحتلال فيه قصف الأحياء السكنية ومراكز الإيواء وخيام النازحين، فانهارت مبانٍ فوق ساكنيها، وأُبيدت عائلاتٌ كاملة، ومسحت أسماء أسرٍ بأكملها من السجل المدني بعدما قُتل أفرادها جميعًا تحت الأنقاض، وفي كل يوم، كانت غزة تستيقظ على مجزرة جديدة، وتشيّع عشرات الشهداء، فيما تزداد قوائم المفقودين طولًا مع استمرار انتشال الضحايا من تحت الركام.
أمهاتٌ ودّعن أبناءهن الواحد تلو الآخر، وآباءٌ حملوا أجساد أطفالهم بأيديهم بعدما عجز رجال الدفاع المدني، وأطفالٌ استفاقوا ليجدوا أنفسهم الناجين الوحيدين من أسرٍ كامل، وعائلاتٌ أخرى تشتتت بعدما سوّى القصف منازلها بالأرض، فأصبح أفرادها موزعين بين خيام النزوح والمستشفيات والمقابر، يبحث كل منهم عن الآخر في قوائم الشهداء والمصابين!
يوم أمس، ظلّ المشهد يكتب فصوله الأكثر قسوة! فمن بين ركام منزلٍ استهدفه الاحتلال، انتُشل جنينٌ ما زال متصلًا بحبله السري، خرج من رحم أمه الشهيدة التي دفنت تحت الأنقاض، مشهدٌ اختصر حجم المأساة التي عاشتها غزة في تموز؛ فلم يعد الموت يلاحق الأحياء وحدهم، بل امتدت وحشيته إلى الأجنة الذين لم تتح لهم فرصة رؤية النور، لأن الإبادة لم تستثنِ إنسانًا ولا عمرًا!
إبادةٌ صامتة
وفي الضفة الغربية، واصل الاحتلال خلال شهر تموز تصعيد سياساته العسكرية والاستيطانية، في محاولة لفرض واقع جديد على الأرض، حيث شهدت مدن الضفة ومخيماتها اقتحامات يومية رافقتها عمليات دهم واسعة واعتقالات وإطلاق كثيف للرصاص، إلى جانب تدمير للبنية التحتية وتجريف للطرق، خاصة في المخيمات التي تحولت إلى هدف دائم لعمليات الاحتلال.
كما استمرت سياسة هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية، وإصدار أوامر الهدم والإخلاء، في إطار التضييق على الوجود الفلسطيني ودفع السكان إلى الرحيل قسرًا.
وأيضًا صعّد المستوطنون اعتداءاتهم بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم، فنفذوا هجمات على القرى والبلدات، وأحرقوا أراضي زراعية ومركبات، واقتلعوا الأشجار، واعتدوا على المزارعين ومنعوهم من الوصول إلى أراضيهم، تحت حماية قوات الاحتلال التي وفرت الغطاء لهذه الاعتداءات أو شاركت فيها، كما شهد الشهر توسعًا في أعمال الاستيطان ومصادرة الأراضي، بهدف تكريس السيطرة الإسرائيلية على أكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية.
وامتدت الاعتداءات إلى الأسرى الفلسطينيين، مع تصاعد حملات الاعتقال، واستمرار الانتهاكات داخل السجون، فيما واصل الاحتلال فرض الحصار والإغلاقات على مداخل المدن والقرى، ونصب مزيد من الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية.
كما كانت قرية تل جنوب غرب نابلس واحدة من أبرز الشواهد على تصاعد إرهاب المستوطنين خلال شهر تموز، فقد تعرضت لسلسلة من الاعتداءات المنظمة، شملت مهاجمة منازل المواطنين وإحراق المركبات والمنشآت، والاعتداء على السكان، إلى جانب استهداف الأراضي الزراعية ومحاولة منع أصحابها من الوصول إليها، وجرت هذه الهجمات تحت حماية قوات الاحتلال التي وفرت الغطاء للمستوطنين، وحالت دون تمكن الأهالي من الدفاع عن ممتلكاتهم، تلك السياسة تهدف إلى بث الرعب بين السكان، ودفعهم إلى هجر أراضيهم، تمهيدًا لتوسيع السيطرة الاستيطانية.
وفي القدس، شهد شهر تموز تصعيدًا ملحوظًا في سياسات التهويد واستهداف المسجد الأقصى المبارك، حيث كثّف الاحتلال اقتحامات المستوطنين لباحات المسجد، ونظّم اقتحامات جماعية رافقتها طقوس تلمودية وجولات استفزازية، في محاولة لفرض وقائع جديدة داخل المسجد وتكريس التقسيم الزماني والمكاني.
كما واصل الاحتلال فرض القيود على وصول الفلسطينيين إلى الأقصى، عبر التشديد على أبوابه، وإبعاد المرابطين، واعتقال عدد من المقدسيين، في محاولة لتفريغ المسجد من حراسه ورواده.
سياسات الاحتلال طالت المدينة المقدسة بأكملها، من خلال تصاعد عمليات الهدم التي طالت منازل ومنشآت فلسطينية بحجة البناء غير المرخص، واستمرار التضييق على المقدسيين عبر المخالفات والضرائب الباهظة وسياسات سحب الهويات والإبعاد عن البلدة القديمة والمسجد الأقصى.
ومثّلت الجمعة الثالثة من تموز واحدة من أخطر محطات التصعيد في المسجد الأقصى، مع إحياء الجماعات الاستيطانية لما يسمى “ذكرى خراب الهيكل”، فقد تحولت المناسبة إلى منصة لتوسيع الاقتحامات، وأداء الطقوس التلمودية بشكل استفزازي داخل باحات المسجد، في ظل إجراءات أمنية مشددة فرضها الاحتلال شملت التضييق على المصلين، وإفراغ ساحات الأقصى من أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، لتوفير بيئة آمنة للمستوطنين.
ثلاث ساحاتٍ بدت مختلفة في تفاصيلها، لكنها واجهت عدوانًا واحدًا، تحركه أهداف واحدة! استهداف الفلسطيني أينما كان، واقتلاع وجوده من أرضه، وتفكيك مجتمعه، وطمس هويته الوطنية والدينية.
وبين ركام غزة، ومخيمات الضفة، وأزقة القدس وأسوار الأقصى، كتب تموز فصلًا جديدًا من العدوان على فلسطين!




