إنسانفلسطين وناسها

يدان ابتلعتهما قذيفة

 

كيف تعتذر أمٌ لطفلتها لأنها لم تعد قادرة على احتضانها كما تشاء؟ وكيف يمكن لطفلةٍ أن تفهم أن يدي أمها لم تختفيا، بل ابتلعتهما قذيفة؟ وما الذي يبقى للمرأة حين تُنتزع منها اليدان اللتان كانتا تصنعان تفاصيل الحياة اليومية، من إطعام طفلتها إلى تمشيط شعرها واحتضانها؟

 

في تفاصيل حكاية الغزية “نبال الهسي“، امتدت المعاناة إلى كل صباح تستيقظ فيه طفلتها “ريتا” وتسأل عن يدي أمها، وإلى كل لحظةٍ تعجز فيها نبال عن أداء أبسط ما كانت تقوم به يوماً دون تفكير!

 

في الأيام الأولى، لم تستوعب طفلتها ما الذي تبدّل في أمها.. تستيقظ من نومها كل صباح وتسأل ببراءة وخوف: “ماما وين إيديكي؟ ليش ما بتلبسي خاتم؟ وين أصابعك؟”، أما عن “نبال” فتسقط الأسئلة هذه على قلبها وتعيده إلى لحظة الانفجار والقصف.

 

حاورت منصة القدس 360 “نبال” واستهلت حديثها: “الإصابة بالنسبة لي كانت بداية عجز يومي أعيشه أمام طفلتي، فكانت ريتا تنظر إلى الأطفال حولنا ثم تبكي وتقول لي “ليش ما بتطعميني زيهم؟ ليش ما بتحمميني؟” ولم أكن وقتها أملك جوابًا”.

 

وفي الشارع، كانت الصغيرة ترفض أن يحملها أحدٌ غير أمها، فيما تحاول نبال احتضانها بما بقي لها من قدرة، لكن الطفلة كانت تنزلق من بين ذراعيها، تقول: “تلك اللحظات أشد ما يكسرني، لأنني أرى عجزي أمامي وأرى طفلتي وهي تدفع ثمن هذا العجز”.

 

تعود “نبال” في حديثها مع منصة القدس 360 إلى صباح السابع منأكتوبر/تشرين الأول 2024م، الذي قلب حياتها رأساً على عقب، تقول: “استيقظت كأي يومٍ عادي، رتبت المحل الذي كنت أستأجره في مخيم البريج، ثم بدأتُ بإعداد الطعام، وبينما كنت أطهو، أخبرني زوجي أن القذائف تتساقط بكثافة في الحي، وطلب مني الدخول إلى المحل مع طفلتي، وأن أغلق الباب، وخرج ليتفقد مصدر القصف”!

 

جلست نبال تحتضن طفلتها “ريتا”، التي كانت تمسك بلعبتها، بينما حاولت هي التقاط إشارة للإنترنت لتطمئن أهلها، فرفعت هاتفها وكتبت لهم أن أربع قذائف سقطت في الحي، لكن الرسالة لم تكتمل؛ إذ سقطت القذيفة الخامسة فوق المكان الذي احتمت فيه.

 

خرجت طفلتها من بين الركام سالمة، وهو ما تعده نبال أعظم نعمة خففت عنها هول ما جرى.. أما هي، ففقدت يديها على الفور، وأصيبت بنزيفٍ في الكبد، وجروحٍ وشظايا في أنحاء متفرقة من جسدها، إضافة إلى حروقٍ من الدرجتين الثالثة والرابعة، وإصابةٍ بالغة في ساقها اليسرى أدت إلى تمزق جزءٍ من عضلتها فوق الركبة.

 

ورغم هول الإصابة، تقول نبال إن أول ما خطر في بالها بعد أن علمت ببتر يديها لم يكن نفسها، بل ابنتها، فقد استقبلت الخبر بصبرٍ غريب، وكأن سكينةً نزلت على قلبها، وكل ما كانت تتمناه أن تكون “ريتا” بخير، أما فكرة فقدان يديها، فلم تستوعبها في البداية، وظلت تعتقد أن ما حدث مجرد إصابة مؤقتة ستتعافى منها، وأن يديها ستعودان كما كانتا.

 

لكن الحقيقة بدأت تتكشف تدريجياً مع تفاصيل الحياة اليومية، عندما أدركت أن الآخرين هم من سيلبسونها ملابسها كالأطفال، ويطعمونها، ويمشطون شعرها، ويعتنون بها في كل تفاصيلها، بدأت الصدمة الحقيقية!

 

تستعيد نبال تفاصيل صغيرة بدت للآخرين عابرة، لكنها بالنسبة لها كانت مؤلمة إلى حدٍ لا يُحتمل، فلم تكن قادرة حتى على حك أنفها، وكانت تستدعي الممرض في العناية المركزة ليقوم بذلك! ولم تستطع أن تشرب الماء عندما تعطش، أو تتناول الطعام عندما تجوع، أو تغيّر وضعية نومها بنفسها!

 

سافرت نبال إلى مصر لتركيب الأطراف الصناعية، فكانت لحظات السفر قاسية فيما حملت في داخلها شعوراً ثقيلاً بالذنب، لأنها حُرمت قسراً من ممارسة أمومتها كما كانت تحلم.

 

فقد تؤلمها فكرة أنها لم تستطع اصطحاب ابنتها معها في رحلة العلاج، وأنها لن تكون بجانبها في أول يومٍ دراسي، ولا في تفاصيل الروضة والمدرسة، ولا في المحطات الصغيرة التي تصنع ذاكرة الطفولة، كما تشعر أن الحرب سرقت منها سنواتٍ كاملة كانت تتمنى أن تعيشها إلى جانب ابنتها.

 

اليوم، تعتمد نبال في تفاصيل حياتها اليومية على أخيها وزوجته، اللذين رافقاها خلال رحلة العلاج، تساعدها زوجة أخيها في الطعام والعناية اليومية، بينما يمضي يومها بين النوم والصلاة ومحاولات التكيف مع واقعٍ جديد لم تختره.

 

ولمواجهة هذا الفراغ القاسي، بدأت ترتاد النادي الرياضي، محاولةً استعادة شيءٍ من قوتها النفسية والجسدية، بعد أن تحولت أيامها إلى عزلة وركود تركاها فريسةً للاكتئاب.

 

التفاصيل التي تبدو بسيطة للآخرين تحولت إلى تحدياتٍ يومية مرهقة كالاعتناء بالنظافة الشخصية، واستخدام دورة المياه، أصبحا من أصعب ما تواجهه، لأنها تحتاج إلى من يساعدها في أكثر خصوصياتها، وهو ما يثقل روحها قبل أن يثقل حياتها.

 

ومن بين تفاصيل معاناتها الشخصية، تحمل نبال رسالة تتجاوز قصتها الفردية، لتتحدث باسم نساء غزة جميعاً، تقول إن الحرب أهانت النساء اللواتي عُرفن بالقوة والعزة، وأجبرتهن على عيش ظروف تفوق طاقة البشر، وترى أن ما عاشته النساء هناك لم يكن مجرد معاناة عابرة، بل تجربة سلبتهن القدرة على التحكم بحياتهن ومستقبلهن.

 

وحين تستعيد حياتها قبل الحرب، لا تستحضر سوى يديها؛ تشتاق إلى أبسط التفاصيل التي كانت تمارسها دون أن تدرك قيمتها، إلى إعداد الطعام، وارتداء ملابسها بنفسها، وإنجاز أعمالها اليومية باستقلالية، تلك التفاصيل التي كانت تبدو عادية، أصبحت اليوم أحلاماً بعيدة المنال.

 

لا تطلب الآن نبال من الناس الشفقة بل الذاكرة

تريد أن يتذكرها الجميع كما كانت قبل الحرب؛ امرأةً محبة للحياة، مليئة بالأحلام، وأماً وزوجةً كانت تعيش أدوارها بكل حب، قبل أن تأتي الحرب فتسلبها يديها، وأمومتها كما تعرفها، ومستقبلها الذي رسمته لنفسها.

 

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى