إنسانفلسطين وناسها

أغنيةٌ ورصاصة

 

كنت أتهيأ لفرحةٍ صغيرة أحاول سرقتها مما تبقّى لنا من حياة..

فرحة ابني “عبيدة”، أجهز له الحنة الحمراء

وأرتب له في قلبي تفاصيل يوم إشهاره

مذ كان طفلًا، أتخيله عريسًا أمامي، أضع الحنة في يده، ويضحك قلبي ويطلق فراشات كما تفعل الأمهات حين يزففن أبناءهن إلى أعراسهم.. فدعوت الأهل والأحباب، وأصررت أن يأتوا، رغم الحرب التي كانت تضيق علينا كل يوم…

لم أكن أعرف أنني كنت أجمعهم لفرحٍ لن أحضره

كنت أمًا قبل كل شيء

رقيقة القلب، كما يعرفني إخوتي، حنونة إلى الحد الذي يجعلني أسامح من يؤذيني، وأفتح قلبي لمن حولي… أحببت زوجي وبقيت إلى جواره في سنوات الخوف والحرب!

وبينما أغني لعبيدة:

“حِنّا يا حِنّا يا قمر الدار

حِنّا لعريسنا زينة الشبان”

فجأة..

أمطرت السماء نارًا، والطائرات فوقنا، وانتشرت قوة خاصة على الأرض حولنا، رصاص يملأ المكان، وامتلأن الحنة بالدم والبارود!

أصيب عبيدة

وسقط زوجي مصابًا

لم أجد في قلبي مكانًا للخوف

حملت سلاح ابني

احتميت خلف جذع شجرة

ووضعت إصبعي على الزناد

وبدأت أطلق النار نحو الحافلة

لم أهب جيشهم المدجج

فكرتُ في رجل أحببته

وفي ابنٍ حملته يومًا بين ذراعي

ثم رأيته ينزف أمام عيني

أطلقت رصاصي

وأنا أعرف أن الطائرات لن تتركني

قتلني المحتل

رحلتُ وأنا أحمل علامتين

سبابةً تشير إلى الشهادة

وسبابةً أخرى بقيت على زناد بندقية ابني

رحلتُ قبل أن أضع الحنّة في يده

لكنني تركت له شيئًا آخر

أمًا لم تتخلَّ عنه حين اشتدّ الخوف

ولم تتراجع

حين صار الموت أقرب من الفرح

كنت أعدّه لعُرسه

وما بين الحنّة والرصاصة

كتبتُ آخر سطرٍ من حكاية

أمٍّ

فلسطينية

أنا أم محمد العرابيد

الشهيدة

سماح الخالدي

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى