إنسان

مطرقة النحاس توقد الأمل … أسواق القدس تقاوم الإغلاق والتهويد

 

 

في سوق الخواجات، لا يزال دكان الحاج محمد عبد الجواد يقاوم الغياب، فأكثر من نصف قرنٍ مرّ عليه وهو يطرق النحاس ويصغي إلى ذاكرة المكان، لكنّ هذه الأيام تبدو مختلفة، فالأعياد اليهودية أفرغت أسواق القدس من زوّارها، وأطفأت حركة الأزقة، وتركت خلف الأبواب المغلقة سوقًا كان يومًا ينبض بالناس.

 

وحدها أقدام الجنود تقطع هذا الصمت، فيما يواصل الحاج محمد فتح دكانه كل صباح، حاملًا إرث النحاسة عن أبيه، والذي حملها بدوره عن أبيه وأجداده، لتبقى المهنة متوارثةً في العائلة جيلاً بعد جيل.

 

وبينما يسعى الاحتلال إلى اقتلاع القدس من ذاكرتها العربية وطمس ملامحها التاريخية، يتمسك بمطرقته ودكانه، يقول في حديثه مع منصة القدس ٣٦٠: “في الأعياد اليهودية تتحول أسواق القدس إلى فراغ كبير، فالضجيج الذي اعتدنا عليه ينحسر، ويحلّ مكانه صمتٌ محزن دكاكين تُغلق أبوابها وأخرى تبقى نصف مؤصدة، فيما تخلو الطرقات من المقدسيين وأهل الضفة بعدما تُغلق الطرق وتُمنع حركة الوصول إلى المدينة، حتى السياح يؤجلون زياراتهم خوفًا من الحواجز وتوتر الأوضاع”.

 

ويختم حديثه: “كل أشكال البقاء التي نتمسك بها هي رسائل صمود وحفاظ على هوية القدس العربية”.

 

ولا تبدو أزمة الأسواق المقدسية، وفق قراءة الدكتور أمجد شهاب خلال حواره مع منصة القدس ٣٦٠، مجرد حالة ركود موسمية تفرضها الأعياد اليهودية، أو نتيجة مباشرة للحواجز والإجراءات العسكرية، بل هي جزء من مشهد أوسع تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتنعكس تداعياته على قدرة المقدسيين على البقاء في مدينتهم.

 

ويشير شهاب إلى أن التاجر المقدسي ليس مجرد صاحب محل تجاري، بل مكوّن أصيل في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلدة القديمة، فإغلاق متجره لا يعني خسارة مصدر رزقه وحده، وإنما يمتد أثره إلى العاملين لديه، والقدرة على دفع الإيجارات والضرائب، وحركة البيع والشراء، ومستوى الحياة اليومية في المدينة.

 

ومع تراجع القدرة الشرائية وانحسار المبيعات، تتآكل مقومات استمرار هذه المحال، بما ينعكس، بحسب تقديره، على حضور الفلسطينيين في أسواقهم وأحيائهم، ويفسح المجال أمام تمدد المشاريع الاستيطانية.

 

ولا يقف الأمر عند حدود الضغوط التي يفرضها الاحتلال، إذ يلفت شهاب إلى غياب منظومة اقتصادية ومؤسسية فاعلة تتولى حماية التجار المقدسيين، فلا توجد، وفق وصفه، خطة اقتصادية متكاملة أو آليات مستدامة لتعويض خسائرهم ودعم صمودهم في مواجهة الإغلاقات المتكررة. ويضيف أن غياب الدعم المؤسسي، إلى جانب ما يصفه بالفساد وسوء إدارة بعض ملفات المساعدات، يفاقم هشاشة القطاع التجاري، ويجعل أصحاب المحال يواجهون الخسائر منفردين، حتى يصبح إغلاق الدكان خيارًا اضطراريًا بعد سنوات من الاستنزاف.

 

ويحذّر شهاب من أن خطورة هذا المسار لا تقتصر على الاقتصاد، بل تمتد إلى تفكك البنية الاجتماعية للبلدة القديمة، التي تتأثر أيضًا بتراجع التعليم وإفراغ عدد من المدارس الفلسطينية من طلابها، في ظل القيود الأمنية ونقص الرعاية والخدمات، ويربط ذلك بتراجع قدرة المؤسسات التعليمية الفلسطينية على الحفاظ على حضورها، مقابل اتساع نطاق المدارس الخاضعة للبلدية الإسرائيلية والمناهج التابعة لها، وهو ما يراه عاملًا إضافيًا في إضعاف الهوية الوطنية والثقافية للأجيال المقدسية.

 

وفي قراءته لموسم الأعياد اليهودية، يوضح شهاب أن ما تشهده القدس خلال هذه الفترات لا يمكن عزله عن السياق السياسي والأمني الأوسع؛ فرأس السنة العبرية، ويوم الغفران، وعيد العرش، واحتفالات فرحة التوراة، تترافق مع تشديد الإجراءات العسكرية، ونصب الحواجز، وتقييد حركة الفلسطينيين، فضلًا عن تراجع أعداد الزوار والسياح، ويؤكد أن هذه الإجراءات لا تصيب قطاعًا تجاريًا بعينه، بل تطال مختلف مفاصل الحياة الاقتصادية، من الفنادق والمطاعم إلى محال الحرف والصناعات التقليدية.

 

ويستحضر شهاب عيد العرش مثالًا على ذلك؛ إذ تتحول أيامه السبعة إلى فترة بالغة الصعوبة بالنسبة للتجار المقدسيين، مع تكثيف انتشار الشرطة وحرس الحدود، وتشديد التفتيش على مداخل البلدة القديمة، وفرض المخالفات والغرامات على المركبات والدراجات النارية.

 

وفي الوقت الذي تزدحم فيه بعض المسارات بالزوار والمستوطنين، لا تنعكس هذه الحركة بالضرورة على أصحاب المحال الفلسطينيين، الذين يواجهون واقعًا تجاريًا مختلفًا، تتراجع فيه فرص البيع وتتزايد القيود على الحركة والوصول.

 

ويضيف أن تأثير الأعياد يتراكم فوق أزمات أقدم وأعمق؛ فمنذ السابع من أكتوبر، وما تبعه من عدوان شرس وتوترات إقليمية، تراجعت السياحة الوافدة إلى القدس، وتأثرت حركة الطيران والزيارات، فيما باتت البلدة القديمة عرضة للإغلاق الواسع كلما وقعت أحداث أمنية، حتى أصبح التاجر المقدسي يعيش حالة من عدم اليقين، لا يعرف خلالها متى يستطيع فتح متجره، أو إن كان سيتمكن من تحقيق الحد الأدنى من دخله.

 

ويخلص شهاب إلى أن استنزاف الأسواق لا يمكن فهمه بمعزل عن محاولات تغيير واقع البلدة القديمة؛ فالتجارة والسكن والتعليم حلقات متصلة في بقاء المقدسيين، وإضعاف إحداها ينعكس على ستائرها. وحين يفقد التاجر قدرته على الاستمرار، ويغادر العامل مصدر رزقه، وتتراجع الحركة في الأزقة، لا يكون الأمر مجرد خسارة تجارية عابرة، بل تآكلًا تدريجيًا في مقومات الحياة الفلسطينية داخل المدينة.

 

 

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى