“أشلاء حلم” تأخّر ولم يمت
في أروقة معارض الكتب العربية هذا العام، يجوب ديوان “أشلاء حلم” الدول، ويحمل اسم صاحبته من عاصمة إلى أخرى، لكن ثمّة غيابٌ موجع في الحكاية! فلا تقف خلف الطاولة شاعرةٌ لتوقّع كتابها، ولا تمتد يد “منى” إلى الكتاب في يد قارئ لتكتب له الإهداء!
في الصفحة الأولى من ديوانها، اعتذرت الكاتبة “منى شمالي” لقرائها عن غيابها، لأن الاحتلال قتلها قبل أن تبلغ الحلم، ورحلت شهيدة مع زوجها الحكيم فهيم حسنين وبناتها الخمس، بينما بقي الديوان الذي حلمت به يمضي في الطريق الذي لم تستطع أن تمضي فيه.
اليوم.. يقطع كتابها المسافات نيابةً عنها، يجوب العواصم العربية التي حلمت “منى” أن تزورها، ويلتقي القراء الذين تمنت أن تجلس بينهم، فيما تقف قصائدها وحدها في مقدمة المشهد، تحمل اسمها وتقول ما لم يتسنَّ لها أن تقوله.
منى سليم شمالي، شاعرة فلسطينية غزّية، وُلدت في السادس من مارس/آذار عام 1989، كانت متفوقة في جميع مراحلها الدراسية، وبدأت كتابة الشعر في العاشرة من عمرها، فكبرت القصيدة معها حتى غدت جزءًا من ذاكرتها وحياتها، وهي زوجة الحكيم فهيم حسنين، أيقونة التطوع والعطاء، وأمّ الزهرات الخمس: جمان، ويمان، وبيسان، وماريا، ويافا، وفي الساعة الأولى من صباح السابع من ديسمبر/كانون الأول 2023، قصفت إسرائيل منزلها ببرميل متفجر ورحلوا جميعًا إلى السماء”
في أروقة الجناح الذي صدر فيه ديوان “أشلاء حلم” بمعرض الكتاب العربي في اسطنبول، التقت منصة القدس 360 شقيقتها “سماح” التي جمعت قصائدها وشاركتها الحلم ذاته، فحملت ما تبقّى من صوتها، وأوصلت ديوانها إلى معارض الكتب الدولية.
كانت سماح تقلّب صفحات الديوان، وتستعيد به وجهًا قد غاب، استهلت حديثها: “وقفتُ هنا، وكأنني أمام الضريح، ورفعتُ كفّي ورددتُ الفاتحة، وقفتُ للمرة الأولى بعد ثلاثة أعوام من الفقد عند ضريح شقّ قلبي، ورفيقة دربي، أختي الشهيدة: منى شمالي؛ ضريح وارى ما تبقى من كلماتها، وما تبعثر من رُفات حلمها البسيط، الذي اغتالته يد الغدر ببرميل متفجر وصاروخ”.
في بداية الحديث كان سؤالنا لشقيقتها سماح: ما الصورة الأولى، أو الذكرى الأولى، التي تقفز إلى ذاكرتك حين تسمعين اسمها تسبقه كلمة “الشاعرة”؟
بذاكرتها إلى سنواتٍ بعيدة، فتقول: “أراها وهي تصعد منصات تكريم الأوائل والمتفوقين عامًا بعد عام… أراها وهي تقسم وقتها بين مهام الأمومة والبيت، وحفظ القرآن، وتعلّم اللغات، ثم توقفت عند محطة أخرى من ذاكرتها عام 2010م، حين حملت منى ديوانها الأول “دموع أسيرة” إلى النور.
وإلى بدايات اكتشاف موهبة “منى” عادت “سماح” حين كانت القصيدة تكبر معها منذ طفولتها، لكنها في ذلك العام خرجت من دفاترها للمرة الأولى، وصارت كتابًا يحمل اسمها، ولم تكن “سماح” تعرف يومها أن ذلك الديوان سيغدو بعد سنوات من أوائل ما ستجمعه من بين ما تركته أختها خلفها!
تقول “سماح”: “كانت منى تعرض ما تكتبه على معلماتها وأفراد عائلتها، تبحث في ملاحظاتهم عن نافذة تطل منها قصيدتها على اتساعٍ أكبر، وحين لمس والدها في ابنته موهبةً تستحق أن تُرعى، سجّلها في منتدى أمجاد الثقافي، الذي تطوّر لاحقًا ليصبح رابطة الكتاب والأدباء الفلسطينيين، وهناك، وجدت نفسها بين الشعراء والأدباء وهي الأصغر بينهم سنًا وسط بيئة أدبية تمنح موهبتها مساحة لتنمو”.
تقلبُ “سماح” الديوان الشعري وتروي كيف كان يسكن ذاك الحلم قلب “منى”، أن تجمع قصائدها التي رافقتها منذ طفولتها في ديوانٍ يحمل اسمها لكنها كلما اقتربت من الحلم، تقدّمت الأمومة خطوة، فانشغلت منى ببيتها وببناتها وبتربيتهن وبحرصها على أن تحفظ كل واحدة منهن القرآن الكريم، فقد كانت ترى في بناء بناتها وصناعة أرواحهن أمانةً تسبق الكتاب.
حلم آخر كان يراود قلب “منى” أن تجوب العواصم العربية، وتحمل قصائدها خارج غزة، وتلتقي شعراء طالما قرأت لهم ونسجت معهم صلاتٍ عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
رحلت “منى” قبل أن تسافر من غزة، وقبل أن تلتقي أولئك الشعراء الذين كانت تعرفهم أسماءً وأصواتًا عبر الشاشات، وبقيت العواصم بعيدة، وبقيت اللقاءات مؤجلة، بينما خرجت قصائدها من غزة وحدها إلى حيث لم تستطع أن تصل




