الأسرى ينتظرون “قرصَ شمسٍ” لا مشنقة!
“لم ننم منذ تلك الليلة“ جملة قاهرة خرجت من أفواه عائلات الأسرى كافة، تحمل ثقل أعوامٍ من الانتظار، وارتجاف قلوبٍ عاشت على أمل.. أمل الفرج والعناق واللقاء، فإذا بها تُفاجأ بقانونٍ يهدد ما تبقى من أمل في قلوبهم منذ اللحظة التي احتفل فيها الاحتلال بإقرار ما يُسمّى “قانون إعدام الأسرى“!
منذ تلك الليلة، أصبحت قلوبهم مثقلة بأسئلةٍ لا تجد جوابًا: كيف تكون هذه نهاية صبر السنين؟ كيف سيتلقى أسيرنا الخبر خلف الجدران الباردة؟ ومن يملك القدرة على طمأنتنا أن العالم الذي طال صمته سينتفض أخيرًا لينقذهم من مصيرٍ يُكتب بدمٍ بارد؟ أسئلة تدور في صدور الأمهات والزوجات، لا يوقفها إلا رجاءٌ بالله أن ينتقم لهم.
رصدت منصة القدس 360 ملامح هذا الانكسار المتراكم في بيوت الأسرى، وللمرة الأولى لم يكن الخوف احتمالًا، بل واقعًا يوميًا يتسلل إلى تفاصيل حياتهم ولحظاتها،فالبيوت التي كانت تتكئ على الصبر والأمل باتت تتكئ على قلقٍ ثقيل.
في منزل عائلة الأسير “جمال الهور“، تتجسد الحكاية بأشد صورها قسوة، وجوهٌ أنهكها الخوف والرجاء، أما حين يكون عمرُ راوي الحكاية بعمر المعاناة.. تُروى بالدموع لا بالكلمات!
كان أحمد لا يزال في لفافة الولادة، لم يُكمل شهره الثامن، حين اعتقل الاحتلال والده من حضن البيت إلى عتمة الزنازين، وحكم عليه بأربعة مؤبدات، فكبر على صورةٍ غائبة، وعلى حكاية أبيه التي ترويها أمه منذ أن كان في مهده، إلى أن صار اللقاء المؤجل ولكن ليس في سماء رحبة، بل في زنزانة ضيقة التي اتسعت في نظر أحمد مع كلمة “يابا” التي يسمعها من والده التي حرما منها منذ أعوام، فحين بلغ الثالثة عشرة، أعاد الاحتلال كتابة الحكاية ذاتها، فقد اعتُقل أحمد، وبعد شهورٍ من التحقيق، التقى بوالده لأول مرة..
في الزنزانة الضيقة، تعلّم أحمد تفاصيل الأبوة المؤجلة، أول صلاةٍ جمعتهما كانت خلف بابٍ موصد، وأول لقمةٍ اقتسماها كانت على أرضٍ باردة، وأول حكايةٍ بينهما وُلدت تحت ضوءٍ شحيح، يقول أحمد في حواره مع منصة القدس 360: “كنت سعيدًا جدًا أن أبي يمارس أبوته لأول مرة في حياته… لكن ما كان يقتل قلبي في كل مرة هو يوم الإفراج عني، كيف سأترك أبي خلفي في زنازين القهر بعد أن اعتاد على وجودي، فكان الإفراج عني بداية حكاية وجع كبير”.
يروي أحمد الفصل الأقسى في اعتقال والده، يقول: “في زيارة من الزيارات وصل باص أهالي الأسرى من الخليل إلى بوابة سجن “إيشل“، فاحتشدت الأمهاتوالزوجات عند الباب، تتزاحم الدعوات على شفاههم، تمتمت إحداهن: “يا باب السجن ريتك خرابة“، وبكت أخرى: “يجعلها آخر الزيارات يا رب“، بينما كانت ثالثة تردد: “وأخيرًا سأحتضن ابني“.
كانت والدة الأسير “جمال الهور” ضمن الزائرات، يكمل أحمد:” انتهى التفتيش، وجلس الأهالي على المقاعد، كانت جدتي متلهفة لرؤية أبي، وبعد دقائق خرج لها بزيّه البني، وبابتسامته التي تعرفها أمه جيدًا، وبقلب يفيض شوقًا، التقط سماعة الهاتف بلهفة، ومدّت أمه يدها المرتجفة نحوه، وما إن بدأ الكلام حتى انهمرت دموعها“.
مرّت دقائق قليلة، ثم فُتح الباب لعشر أمهات، دخلن ليحتضنّ أبناءهن، فبقيت أم جمال خلف الزجاج، تراقب الأذرع التي تلتفّ حول أبنائها، والدموع التي تُمسح على الأكتاف، بينما جلست هي محرومة حتى من لمسة.
يقول “أحمد”: “كان المشهد أثقل من أن تحتمله جدتي، شعر أبي بقهر قلبها، فوعدها أن يأخذ إذنًا بالدخول إليه في الزيارة القادمة، والتقاط صورة معها واحتضانها،ففاجأته جدتي بجوابها الصادم “فِش مرة جاية يا جمال“… ثم جاء صوت التشويش في الهاتف، كان يريد أن يسألها ماذا يعني ورفض الجندي، وبعد ثلاثة أيام من الزيارة تمكّن من الاتصال عبر هاتفٍ مهرّب، يتوسل أن يسمع صوتها ويسألها لماذا لم ترد زيارته ليجيبوه بجواب صاعق: “أمك ماتت“!
في كل صفقة تبادل، كانت عينا أحمد تتعلّقان بصورةٍ واحدة: “حضنٌ مؤجّل، وذراعان طال انتظارهما“، فقد كان يكبر على وعدٍ يتجدّد مع كل إعلان عن إبرام صفقة، يقول: “في صفقة شاليط، زيّنا البيت والحارة، وتهيأنا لاستقباله وفرحته، لأن اسم أبي كان مدرجًا ضمن القائمة، كنا نعدّ اللحظات، ولكن يوم الإفراج، جاء ا+لخبر كطعنة لقلوبنا حين أبلغه الاحتلال أنه سيستبدل اسمه بأسماء أسرى آخرين، يومها سكن القهر في قلوبنا“.
“لم تكن تلك الخيبة الأخيرة“ كما يقول “أحمد”، ففي صفقة التبادل خلال حرب الإبادة، أعاد أحمد الكرّة، حيث سافر مع أمه إلى الأردن، يحملان حقائب الأمل والفرح، ويتهيآن لاستقبال الأب الذي سيُبعد إلى مصر مع المحررين المحكومين بالمؤبدات، ولكن أيضًا تم استثناء اسم أبيه ضمن المفرج عنهم، يصف شعوره يومها: “شعرت أن الحياة ضاقت بعيني، لكن ما رفع معنوياتنا مرة أخرى رسائل أبي مع المحامي الذي زاره حيث أوصل لنا معه أن معنوياته عالية وألا ننهار ونوكل أمرنا لله”.
كان “أحمد“ يظنّ أن ثلاثين عامًا من الانتظار لا بد أن تنتهي عند صفقةٍ ما، أن هذا العمر الذي عاشه محرومًا من ظلال أبيه سيختتم بلحظة لقاء تعوذ ما سرق من عمره، ليصعق بإقرار قانون إعدام الأسرى، والتصديق عليه في الكنيست الإسرائيلي، ليتحول السؤال في قلبه من “متى سيخرج أبي”، إلى “هل سنراه مرة أخرى؟”!
لم يكن “أحمد” وحده… بل امتدت الحكاية لتشمل آلاف البيوت التي تنتظرُ أسيرها ليعود، باتت تعيشُ بسؤالين ثقيلين: “ما مصير أبنائنا وكيف تلقى الأسرى هذا الخبر القاهر؟”




