تقاريرميدان

المسجد الإبراهيمي – تصعيد إسرائيلي غير مسبوق يطال المسجد ومحيطه وسط تحذيرات من فرض واقع جديد

 

 

تتصاعد وتيرة الإجراءات الإسرائيلية داخل المسجد الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل بصورة غير مسبوقة، في ظل خطوات يقول مسؤولون في وزارة الأوقاف ومختصون إنها تستهدف تغيير معالم الحرم وتقليص صلاحيات الأوقاف الإسلامية، بالتزامن مع تشديد القيود على المصلين ومنع رفع الأذان واستمرار الاقتحامات خلال المناسبات اليهودية.

 

ويرى إمام وخطيب المسجد الإبراهيمي ومديره السابق حفظي أبو اسنينة أن الحرم يمر اليوم بـ”أخطر مراحله”، مؤكداً أن ما يجري بعد الحرب الأخيرة يختلف جذرياً عما شهده المسجد خلال العقود الماضية.

 

ويقول أبو اسنينة لـ”قدس 360″، والذي خدم مديراً للحرم الإبراهيمي لمدة عشر سنوات وما يزال إماماً وخطيباً فيه، إن الاحتلال ينفذ اعتداءات يومية ومتنوعة بحق المسجد، موضحاً أن من أخطرها إخلاء مصلى الإسحاقية خلال الأعياد اليهودية، حيث يتم رفع السجاد والمصاحف وتسليم المصلى لسلطات الاحتلال، قبل إدخال آلات الموسيقى والتصوير وإقامة حفلات داخل أحد أهم أجزاء المسجد.

 

ويضيف أن مجرد وجود قوات الاحتلال داخل الحرم، الذي يضم مقام النبي إبراهيم عليه السلام، يمثل انتهاكاً دائماً لحرمة المكان، إلا أن التطورات الأخيرة حملت بعداً أكثر خطورة مع تنفيذ تغييرات إنشائية داخل المسجد.

 

ويشير إلى أن الاحتلال أقدم خلال الأيام الماضية على تسقيف الصحن المكشوف للحرم، وهو الساحة الواقعة بين الحضرتين الإبراهيمية واليعقوبية، والتي كانت تشكل متنفساً طبيعياً للهواء والضوء داخل المسجد، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل تغييراً مباشراً في معالم الحرم التاريخية، ونُفذت دون موافقة وزارة الأوقاف صاحبة الولاية القانونية عليه.

 

ولا تقتصر الإجراءات على التغييرات العمرانية، إذ يؤكد أبو اسنينة أن الاحتلال يمنع منذ اثني عشر يوماً متتالياً رفع الأذان من مآذن الحرم، بحجة تنفيذ أعمال داخل الصحن، وهو ما يمنع المؤذن من الوصول إلى غرفة الأذان.

 

ويكشف أن عدد مرات منع رفع الأذان ارتفع بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، إذ كان يبلغ نحو 650 وقتاً سنوياً، بينما تجاوز اليوم ألف وقت، في مؤشر على تصاعد القيود المفروضة على حرية العبادة داخل المسجد.

 

كما يلفت إلى أن الاحتلال أغلق معظم مداخل الحرم، ولم يبق سوى مدخل واحد يخضع من خلاله المصلون لتفتيش عسكري مشدد، إضافة إلى منع كثيرين من الوصول إلى المسجد، والتضييق على موظفي المسجد وسدنته وإدارته.

 

ويؤكد أن ما بعد الحرب الأخيرة شكّل تحولاً واضحاً في سياسة الاحتلال تجاه الحرم الإبراهيمي، قائلاً إن الاعتداءات لم تعد تقتصر على المسجد، بل أصبحت تستهدف أيضاً العاملين فيه والمصلين بصورة متكررة.

 

المصلون: الوصول إلى المسجد الإبراهيمي أصبح معاناة يومية

 

ويؤكد المصلي إدريس أبو وهدان أن الإجراءات الإسرائيلية انعكست بشكل مباشر على حياتهم الدينية، إذ يقول أحدهم: “الوصول إلى الحرم أصبح رحلة معاناة يومية، نقف على الحواجز لفترات طويلة، ونتعرض لتفتيش دقيق، وأحياناً يمنع بعض المصلين من الدخول دون أي سبب، وكأننا ندخل إلى ثكنة عسكرية وليس إلى مسجد.”

 

ويضيف أبو وهدان لـ”قدس 360″: “الحرم الإبراهيمي جزء من هويتنا وذاكرتنا، وكل اعتداء عليه هو اعتداء على وجودنا في مدينة الخليل، وما يجري اليوم محاولة واضحة لتغيير هوية المكان.”

 

أما إسحاق دويك وهو أحد سكان البلدة القديمة، فيرى أن تسقيف الصحن يتجاوز كونه مشروعاً إنشائياً، قائلاً: “هذه ليست أعمال صيانة، بل تغيير لمعالم الحرم التاريخية، ونخشى أن تكون مقدمة لخطوات أكبر تستهدف فرض السيطرة الكاملة عليه.”

 

ويضيف دويك لـ”قدس 360″: “لم نشهد هذا المستوى من التضييق من قبل، الاعتداءات أصبحت أكثر كثافة، ومنع الأذان والتفتيش والإغلاقات باتت جزءاً من الحياة اليومية.”

 

الأوقاف: اعتداء على صلاحياتها

وكانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية قد أدانت الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة، واعتبرت تسقيف صحن الحرم الإبراهيمي اعتداءً مباشراً على صلاحياتها باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بإدارة المسجد، مؤكدة أن ما يجري يأتي ضمن محاولات فرض أمر واقع جديد داخل الحرم ومحيطه، وانتزاع صلاحيات المؤسسات الفلسطينية، وفي مقدمتها وزارة الأوقاف وبلدية الخليل.

 

ومنذ احتلال مدينة الخليل عام 1967، يتعرض المسجد الإبراهيمي لسلسلة متواصلة من الإجراءات الإسرائيلية التي طالت إدارته وهويته الإسلامية.

 

وشكلت مجزرة الحرم الإبراهيمي في 25 شباط/فبراير 1994 أخطر هذه المحطات، عندما ارتكب المستوطن باروخ غولدشتاين مجزرة بحق المصلين أثناء صلاة الفجر، ما أدى إلى استشهاد 29 مصلياً وإصابة أكثر من 150 آخرين.

 

وأعقب المجزرة فرض تقسيم زماني ومكاني للحرم، وسيطرة الاحتلال على أجزاء واسعة منه، وإقامة الحواجز والبوابات العسكرية، إلى جانب تقييد وصول المصلين وإغلاق المسجد في مناسبات مختلفة.

 

وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الاعتداءات لتشمل منع رفع الأذان مئات المرات سنوياً، والسماح للمستوطنين بإقامة طقوس واحتفالات داخل الحرم، وفرض قيود متزايدة على موظفي وزارة الأوقاف، وصولاً إلى تنفيذ تغييرات إنشائية داخل المسجد، كان آخرها تسقيف الصحن المكشوف.

 

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تمثل أخطر محاولة منذ سنوات لتغيير الواقع التاريخي والقانوني للمسجد الإبراهيمي، في ظل استمرار القيود على حرية العبادة، وتزايد المخاوف من فرض وقائع دائمة تمس أحد أبرز المقدسات الإسلامية في فلسطين.

زر الذهاب إلى الأعلى