حين قالوا لغزة: “لستِ وحدكِ”
على متن سفينةٍ تشقّ عتمة البحر من مرمريس في تركيا نحو غزة، وقفت الدكتورة المغربية إيمان المخلوفي تبكي دموعًا ثقيلة، دموع أم تركت خلفها أطفالها، وطلبت منهم مسامحتها في حال تعرضوا لخطر.. لكنها لا تستطيع أن تتجاهل وجوه أطفال غزة الجائعين!
بكت الدكتورة “المخلوفي” كأم تعرف تمامًا ماذا يعني أن تغادر يدها يد صغيرها، وأن تترك دفء البحر لأجل أن توقف رجفة أطفال في بلد شاهد العالم كله إبادته، كما بكت دموع الأم التي ترى في كل طفل من غزة طفلها، واكتوت من كل صورة من صور الإبادة، وفي لحظة قوة مسحت دموعها وانطلقت قوية، ثابتة، تحمل رسالةً لا ترتجف: “تركنا عائلاتنا لأجلكم… فلستم وحدكم”.
وخلف قضبان الزنازين، اعتقل الاحتلال الناشط البرازيلي “تياغو أفيلا” لأجل صوته الذي علا: “غزة.. لن تكوني وحدك”، ومن هناك، من أمام القاضي في قاعة المحكمة مكبل اليدين والقدمين رفع شارة النصر وقال: “لن أتراجع”، فهو يدرك تمامًا أن الحرية ليست كلمة تقال، بل ثمنًا يُدفع.
بين رجاء أبوي وإنسانية كبيرة يمتلكها في قلبه، ترك لابنته رسالة: “عزيزتي تيريزا، أعتذر لأنني لست في البيت معك الآن، لقد أدرك والدك ووالدتك والكثير من الناس حول العالم المهمة التاريخية التي تقع على عاتقنا مسؤولية إتمامها.
اليوم، يعاني أكثر من مليون طفل من إبادة جماعية، ويواجهون الموت جوعًا، وبُترت أطرافهم بلا تخدير، ويعانون من أفكار مرعبة ومليئة بالكراهية، رغم أنهم لا يعرفون ما هي الصهيونية ولا الإمبريالية، أنا متأكد أنكِ تفتقدينني كثيرًا، تمامًا كما يفتقد جميع آباء وأمهات الأطفال الفلسطينيين أطفالهم، وهم الذين قد يقدمون أي شيء في سبيل عيش حياة ملؤها الحب والسعادة والبهجة التي يستحقها كل إنسان، بغض النظر عن العرق أو الدين أو القومية أو أي صفة أخرى، سيكون عالمك أكثر أمانًا لأن العديد من الآباء قرروا بذل كل شيء لبناء عالم أفضل من أجلك، آمل أن تدركي يومًا ما، أنه ولأنني أحبك كثيرًا، لم يكن هناك ما هو أخطر عليك وعلى غيرك من الأطفال من العيش في عالم يقبل بالإبادة الجماعية، أرجو أن تتذكري والدك الذي كان يغني لك ويعزف على الغيتار لتنامي، عندما تكبرين، ستخبرك والدتك أيضًا أن والدك كان ثوريًا، وأنه حتى في مواجهة أكثر الناس ترويعًا على وجه الأرض، أي دونالد ترامب، بنيامين نتنياهو، وإيتمار بن غفير، وقف صامدًا ومتمسكًا بإيمانه في بناء عالم أفضل.. أرجوك، لا تنسي فلسطين! مع خالص حبي، تياغو أفيلّا”.
وفي مكانٍ بعيد، لم تكن أمه تعرف شيئًا عن تلك العتمة التي ابتلعت ابنها، كانت تنتظر خبراً يبدّد خوفها، لكن قلبها لم يحتمل الانتظار، فجاءتها نوبة مفاجئة أوقفت قلبها وماتت قهرًا!
وبعيون مثقلة بالإنسانية مقيد اليدين والقدمين، ظهر الطبيب سيف أبو كشك في أروقة محاكم الاحتلال، وهو ناشط وطبيب فلسطيني سويدي عرف بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، لا سيما في حرب الإبادة، والذي ظهر اسمه في وسائل الإعلام ومنصات التواصل بعد مشاركته في أنشطة إنسانية وتضامنية، إلى جانب حديثه العلني عن معاناة الفلسطينيين.
وفي خلفية المشهد كله، بدا الاحتلال وكأنه يوجّه رسالة لكل من يجرؤ على الوقوف إلى جانب أطفال فلسطين: أن الثمن لن يكون بسيطًا، وأن طريق التضامن محفوف بمحاولات الترهيب والعزل لكن الرسالة بقيت في عيون المشاركين في أسطول الصمود لكسر الحصار عن غزة: “لن نتركهم وحدهم”!




