هدمت جرافات الاحتلال، في 2026/1/20، منشآت داخل مجمع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة.
ورفعت قوات الاحتلال علم الاحتلال داخل مقر الأونروا، بالتزامن مع تنفيذ عملية الهدم، فيما علقت قوات الاحتلال أمر مصادرة لصالح “دائرة الأراضي الإسرائيلية” على مقرّ الوكالة.
وأشرف وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير على عملية الهدم.
وتأتي عملية الهدم استكمالاً لمسار يستهدف الأونروا، ومن ورائها حق اللاجئين والقضية الفلسطينية بشكل عام. وقد سبقته جملة من الاستهدافات بدأت عام 2017 مع الاحتفال بالذكرى الخمسين لاحتلال الشطر الشرقي للقدس واقتراح منع الأونروا من العمل فيها كشكل من أشكال فرض “السيادة الإسرائيلية” على المدينة، ليتبع ذلك في 2024 إقرار مشروع قانون في “الكنيست” ثم منع الأونروا من العمل في “الأراضي الإسرائيلية”، ثم منع تزويد مقرات الأونروا في القدس بالماء والكهرباء، في عام 2025، تمهيدًا للاستيلاء عليها.
البعد السياسي للعدوان: حرب تصفية بشراكة أمريكية
يقول الباحث المتخصص في الشأن المقدسي زياد ابحيص إن الأثر السياسي يشكل البعد الأهم في هذا العدوان، إذ يشنّ الاحتلال حرب تصفية شاملة للقضية الفلسطينية بشراكة أمريكية مباشرة.
ويضيف في مقال تابعته منصة القدس 360 إن التأريخ لهذه المرحلة يبدأ منذ عام 2017 مع الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث واجه الشعب الفلسطيني ومقاومته هذه المساعي عبر سبع محطات من المواجهة الشعبية والعسكرية؛ خمس منها تمحورت حول القدس، وواحدة حملت عنوان العودة، وصولاً إلى حرب الإبادة في غزة التي جاءت كمحاولة لفرض الحسم بالقوة العسكرية والإجرام المنظم.
عناوين التصفية: الرمزية والميدانية والإقليمية
يبين ابحيص أنّ هذه التصفية تتجسد في ثلاثة عناوين رمزية رئيسة هي تهويد القدس، وإنهاء حق العودة، وشطب الهوية الفلسطينية.
ويوازيها ثلاثة عناوين ميدانية هي: إبادة غزة، وتهجير الضفة الغربية، وتهويد الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 عبر مزيج من التهجير وطمس الهوية.
أما إقليميًا، فيتخذ هذا المسار، وفق المقال، وجهين متكاملين: الأول استهداف إرادة المقاومة ومحاولة تصفيتها حيثما وُجدت، والثاني فرض حالة إذعان إقليمي تُلحق الدول العربية والإسلامية بمركز صهيوني موهوم عبر ما يُعرف بالاتفاقيات الإبراهيمية.
شطب الأونروا: استهداف مباشر لحق العودة والقدس
يلفت ابحيص أنّ شطب الأونروا من القدس يأتي في صلب استهداف العناوين الرمزية الثلاثة، فهو خطوة على طريق تهويد المدينة، ومحاولة لشطب حق العودة عبر إلغاء المؤسسة الأممية المرتبطة بالنكبة وحق اللاجئين الفلسطينيين، إضافة إلى السعي لطمس خصوصية نكبة فلسطين عبر إجبار الأمم المتحدة على التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين ضمن أطر بديلة لا تحمل دلالة النكبة التاريخية.
تهويد الشيخ جراح: مشروع استيطاني على أنقاض المقر الأممي
يبين ابحيص أن هدم مقر الأونروا يمثل خطوة متقدمة في مسار تهويد القدس، إذ يمهد لتحويل أرض تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 42 دونمًا، أعلنت دائرة الأراضي الإسرائيلية في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2024 نقل ملكيتها إلى دولة الاحتلال، تمهيدًا لإقامة مستوطنة تضم 1,440 وحدة سكنية استيطانية مخصصة للمستوطنين المتدينين (الحريديم).
ويندرج هذا القرار في صميم مشروع التهويد السكاني للقدس، حيث يؤسس لكتلة استيطانية في المركز التاريخي للمدينة، الذي ظل عصيًا على الاختراق الواسع طوال 58 عامًا من احتلال الشطر الشرقي.
كما يسهم في تصفية حي الشيخ جراح، أحد أبرز الأحياء التاريخية ذات الرمزية السياسية الفلسطينية.
الشيخ جراح: من حيّ سياسي ودبلوماسي إلى عمق استيطاني
يقول ابحيص إنّ حي الشيخ جراح شكل عبر تاريخه مركزًا للحضور السياسي الفلسطيني، إذ سكنته النخبة التي قادت الثورات في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ثم تحول منذ خمسينيات القرن الماضي إلى حي دبلوماسي استضاف القنصليات ومقرات المنظمات الدولية.
واليوم، يزيل الاحتلال أحد هذه المقرات ليحلّ مكانه عمق استيطاني واسع، على بعد 600 متر فقط من منطقة “إسكان الشيخ جراح”، التي تتعرض لمحاولات تهجير متواصلة منذ عام 2008، وكانت أحد أسباب اندلاع معركة “سيف القدس” عام 2021.

تقويض الأونروا في الضفة: شطب المخيمات وحق العودة
يلفت ابحيص إلى أنّ المقر الذي جرى هدمه الاحتلال هو مقر رئاسة الأونروا في الضفة الغربية، ما يجعل الخطوة جزءًا من مسار أوسع لتقويض عمل الوكالة في الضفة كاملة، وليس في القدس وحسب.
ويتكامل ذلك مع هدم مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم وتهجير سكانها، إلى جانب الاقتحامات المتكررة لمخيمات عسكر وبلاطة والفارعة والفوار، فضلاً عن الحملة الأمنية المكثفة التي استهدفت مخيم شعفاط في القدس.
إعادة هندسة المخيمات وإنهاء خصوصية اللجوء
تسعى هذه السياسة، بحسب ابحيص، إلى شطب مخيمات الضفة الغربية وتحويلها إلى “أحياء” بلا خصوصية لجوء أو دلالة على حق العودة، في خطوة تمهد لتكرار السيناريو في دول الجوار.
وعلى مستوى القدس، يفتح هذا المسار الباب لمحاولات مستقبلية لشطب مخيمي شعفاط وقلنديا، وهي مخططات واردة ضمن “مخطط القدس 2020” الذي بدأ العمل على بلورته منذ عام 2004.
توقيت الهدم والسياق الدولي
أما توقيت الهدم فله دلالات سياسية خاصة، وفق ابحيص، إذ يتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تشكيل “مجلس السلام”، في محاولة إسرائيلية لتوظيف هذا الإطار لتقويض دور الأمم المتحدة، رغم استمرار التحفظ الإسرائيلي الرسمي عليها.
نحو مواجهة سياسية شاملة
في مواجهة هذا المسار، تبرز الحاجة إلى موقف يعيد الاعتبار للعناوين الرمزية المركزية للقضية الفلسطينية: القدس، وحق العودة، وخصوصية الحق الفلسطيني.
وبحسب ابحيص، يتطلب ذلك تضافر الجهود داخل فلسطين وخارجها لإطلاق مبادرات فاعلة تعيد هذه القضايا إلى الواجهة وتستعيد زخمها الشعبي.
ويختم ابحيص بالقول إنّ السلوك الصهيوني المارق، المتمثل في تدمير مقرات الأمم المتحدة وتجاهل قرارات محكمة العدل الدولية، يفرضفرصة لبناء تحرك دولي واسع ينزع الشرعية عن الصهيونية كأيديولوجيا مؤسسة لهذه الجرائم، والانتقال من إدانة الأفعال إلى تجريم الفاعل ذاته في وعي شعوب العالم، بما يحقق هدفًا مزدوجًا: كسر الحصار عن المقاومة وفتح آفاق سياسية وشعبية جديدة أمامها.




