ناجون من الخيمة.. عالقون تحت السقف
صمتَ الجميع.. ثم شقّ صوتُ رجل الإنقاذ العتمة بحرقةٍ: “في حدا عايش”؟
في ساعات الليل، اخترق هدوءَ غزة الممزوج منذ أعوام بأزيز الزنانات ودويّ الطائرات، صوتٌ آخر..
صوتُ عمارةٍ تهوي دفعةً واحدة، وتطوي تحت طبقات الإسمنت ستة طوابق من الحكايات.. ستة طوابقٍ أطبقت على سكانها وهم نيام، وعلى خيامٍ التصقت بالمبنى المنهار، صار السؤال الوحيد الذي يملأ الليل: “من بقي تحتها؟ ومن سيخرج منها حيًا؟”
كانت “عمارة السعادة” غرب غزة قد تحولت إلى مأوى لنحو مئة نازح، فرّوا من خيامٍ أنهكها الحرّ، وضيّقت عليها القوارض، إلى جدرانٍ ظنوها أرحم من العراء.. جدرانٍ متصدعة، مثقلة بآثار القصف، لكنها الخيار الوحيد! وأمام الركام، وقف الجميع يبحثون بين كتل الإسمنت عن يدٍ، عن وجهٍ، عن صوتٍ، عن نبضةٍ واحدة تقول إن أحدًا ما زال حيًا.
وثقت منصة القدس 360 مشاهد من انهيار “عمارة السعادة” في غزة، ففي ساعات الصباح، جاء الخال يبحث عن ابنة أخته بعدما سمع صوتها من تحت الركام…
كان يسألها: “رؤى مين عندك؟ وين أمك؟ بأي غرفة نمتي؟”
تجيبه طفلةٌ من العتمة: “أنا وسوسو وجنى هنا والباقي في الصالون”..
هي رؤى محمود سعدة، التي أخرجها رجال الإطفاء بعد ساعات من استنجادها جثة مخنوقة هامدة، استشهدت هي وأخواتها وأخوها الوحيد ووالداها ووالدتها، بينما بقيت أختها ناجية وحيدة خرجت حية بعد ساعات من تحت الركام!
وأمام الركام، انهارت جدتها، تبكي ابنها محمود وعائلته وبناته الستة وزوجته وطفلًا رزق به بعد ست بنات، وقفت عاجزة باكية أمام ستة طوابق تحولت في لحظة إلى كومة من الحجارة.
ومن بين الركام، خرج أطفالٌ رُضّع واحدًا تلو الآخر، أجسادٌ صغيرة أخرجتها أيدي رجال الإنقاذ، فصرخ محمود بصل، وهو يحدّق في وجه طفلةٍ انتُشلت من بين الحجارة: “ما ذنب هذه الطفلة في كل ما يحدث؟ ما ذنبها؟”!
لفّ أحد الدفاع المدني الصغيرة بكوفيته، وحملوها بعيدًا إلى ثلاجة الموتى، فيما لم يكن في المكان متّسع للحزن أو حتى لالتقاط الأنفاس، بينما واصل رجال الإنقاذ عملهم، ينبشون بين طبقات الإسمنت، بحثًا عن بقية المفقودين.
ومن تحت الأنقاض، جاء صوت طفل مرتجف يقول لرجل الإنقاذ بضعف وخوف: “أنا سامعك يا عمو، بس محشور بين السقفين، مش عارف لا أتحرك ولا أحكي، وما في حد شايفني ولا سامع صوتي، أنا بموت يا عمو من الخوف، وشوي بموت نقص أكسجين… خلص”.
ثلاث ساعاتٍ كاملة ظلّ فيها الطفل عالقًا بين سقفين، ينتظر أن تصل إليه الأيدي التي سمع نداءها، لكن الدفاع المدني، بعد ثلاث ساعات، انتشله جثة..
لكن الوصول إلى الطفل لم يكن يتوقف على سماع صوته فقط؛ فالدفاع المدني في غزة يعمل بإمكاناتٍ منهكة، ومعداتٍ محدودة لا توازي حجم الركام ولا عدد العالقين تحته، فهم يفتقدون لآلياتٌ ثقيلة، وأخرى خرجت عن الخدمة، فيما يضطر رجال الإنقاذ إلى التعامل مع أطنان الإسمنت والحديد بما تيسّر لهم من أدوات وأيدٍ عارية.
كما أن “عمارة السعادة” ليست وحدها في غزة التي أنهكها القصف، وترك جدرانها متصدعة وأركانها مهددة بالانهيار؛ فخلفها يقف نحو 2000 مبنى آيل للسقوط، مأهول بالنازحين، يعيشون تحت أسقفٍ قد تتحول في أي لحظة إلى ركامٍ يطبق عليهم كما حدث في عمارة السعادة.
ساعات طويلة قضاها رجال الدفاع المدني على ركام المنزل وهم يصرخون بين الركام: مين عايش؟ مين سامعنا يحكي”، بينما بقي السؤال الأثقل معلقًا في قلوب أهل غزة: “متى يُمحى مشهد التشييع من طقوس الصباح؟ متى يصبح الفجر موعدًا للخبز والمدارس واحتساء القهوة، لا موعدًا لحمل الأطفال إلى مثواهم الأخير”؟




