تقارير

سمية جوابرة.. صاحبة الحكاية صامتة!

ليست مقابلة عادية.. فهناك، في بيت الصحفية سمية جوابرة، يبدأ الحوار صامتًا مع صاحبة الحكاية، ليس لأنها لا تملك ما تقوله، بل لأن كل كلمة تقولها، ستتحول فورًا إلى حكم جديد، فتقضي أيامها بين جدران منزلها الأربع، تراقب العالم من النافذة، بينما يراقبها الخوف من أن تتحول كلمة عفوية إلى طريقٍ مباشر نحو زنازين الاحتلال.

في حوار منصة القدس 360 تقدم زوجها للتحدث نيابة عنها، فيما تبقى سمية حاضرة بصمتها، ففي اليوم العالمي للمرأة، أردنا أن نسلّط الضوء على سمية، المرأة التي كلّفها قول الحقيقة حكمًا بالحبس المنزلي، كعقابٍ قاسٍ فرضه الاحتلال عليها.

فبينما تتغنّى كثير من النساء في هذا اليوم بأن المرأة ملكة في بيتها، تعيش سمية معنى آخر تمامًا للبيت، فلم يعد في نظرها مساحة أمان، بل تحول إلى جدران وحدود ضيقة لا يمكن تجاوزها..

كل صباح، تودّع “جوابرة” أبناءها على باب المنزل، ثم تقف من بعيد تلوّح لهم وهم يبتعدون إلى مدارسهم وحياتهم، وتبقى هي خلف شباك البيت الذي أصبح زنزانتها الصامتة، فلا هاتف يكسر هذا الصمت، ولا إنترنت يربطها بالعالم.

منذ أكثر من عامين، تقضي الصحفية “جوابرة” من نابلس في الحبس المنزلي بدءًا من الثاني عشر من نوفمبر عام 2023م، حين خرجت من سجن الدامون بعد اعتقال قصير، ولكن الاحتلال حكم عليها بالحبس المنزلي بقيود شديدة.

يقول زوجها طارق السركجي في حواره مع منصة القدس 360: “أصبحت نافذتها على العالم، أحمل إليها الأخبار وأحدثها بما يجري خلف جدران البيت التي فرضت عليها، فسمية صاحبة كلمة حرة وأراد الاحتلال بهذا الحكم أن يقيد جسدها وكلمتها والحقيقة التي تدفع ثمنها الآن”، ويكمل: “حين أفرج عنها الاحتلال كانت يومها حامل في شهرها السابع، وحريتها جاءت مشروطة: حبس منزلي مفتوح، بلا هاتف ولا انترنت ولا صوت، محرومة من حقها في أن تكون صحفية فلسطينية، فالحبس المنزلي قد يبدو للبعض عقوبة أخف من السجن، لكنه في الحقيقة هو سجنٌ من نوعٍ آخر، سجن بلا قضبان مرئية، حيث يجبر المحتل الإنسان أن يعيش في مساحة محدودة جدًا، ويحرم من أبسط حقوقه في الحياة”.

ويسترسل في حديثه عن معاناة زوجته وكل المحكوم عليهم بالحبس المنزلي: “نفسيًا، يترك الحبس المنزلي آثارًا عميقة، إذ يشعر الإنسان مع مرور الوقت بالعزلة، وبفقدان السيطرة على حياته، وقد يتسلل إليه القلق الدائم، والتوتر، وأحيانًا الاكتئاب، والأصعب من ذلك أن البيت نفسه الذي يفترض أن يكون مساحة أمان يتحوّل تدريجيًا في شعور صاحبه إلى حدود ضيقة تشبه الزنزانة”.

وما يزيد قسوة هذه التجربة أن صاحب الحبس المنزلي يرى الحياة مستمرة من حوله، فالأطفال يذهبون إلى مدارسهم، والناس تمضي إلى أعمالها، وعجلة الحياة تمشي، أما هو يقف يراقب كل ذلك من خلف النافذة الصغيرة.

يقول زوجها: “فرضت سلطات الاحتلال عليها حزمة من الشروط القاسية، أبرزها منعها منعًا تامًا من مغادرة منزلها، أو ممارسة عملها الصحفي، أو استخدام الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب فرض غرامة مالية كبيرة بلغت 50 ألف شيقل، كما نصت الشروط على إعادة اعتقالها فورًا في حال خرق أي بند من هذه القيود، ما أدى إلى شعور أبنائها بعدم الارتياح والشعور بالقلق الذي تعيشه والدتهم”.

سمية جوابرة ليست وحدها من يحاول المحتل إسكات صوتها، فكل صحفي فلسطيني ينقل وحشيته وعنجهيته يجد نفسه هدفًا لممارساته التي تسكت الحقيقة!

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى