الثامنُ من آذار.. المرأة الفلسطينية تنسجُ الحكاية الأشد وجعًا
يحلّ الثامن من آذار اليوم، يوم المرأة العالمي، بينما تقف المرأة الفلسطينية على تخوم الحكاية الأصعب، ليست هناك باقات وردٍ ولا خطابات احتفاء، بل خيامٌ تئنّ من برد النزوح، وأقبيةُ تحقيقٍ وزنازين رطبة لا تصلح للعيش الآدمي، وطرقاتُ رباطٍ تقود إلى الأقصى كلّ صباح.
في منصة القدس 360 نستذكر اليوم وجوهًا غابت تحت ركام الإبادة، شهيداتٍ كتبن أسماءهن بدمٍ لا يُمحى، ونستعيد سِيَر أُخريات ما زلن يقبعن خلف قضبان الزنازين، حيث تحاول العتمة أن تُخفي أصواتهن ويرفضن!
نغم ابو سمرة
حيث جاءت الحرب، واشتاقت نغم لطقوسها داخل نادي الرياضة، وكانت تنتظر بحماس كبير انتهاءها لتعود الى التدريب مع المشاركات اللواتي اعتدن الاجتماع معها يوميًا، كانت تستقبل رسائل الفتيات اللواتي يكتبن لها إنهن ينتظرن نهاية الحرب ليعدن إلى التمرين، ويخبرنها أنهن اشتقن لكل التفاصيل التي تجمعهن بها.
كانت إحدى المشاركات تمزح معها قائلة: كيف يمكننا استغلال الحرب لتمرين أجسادنا؟ أم أن رحلات النزوح مشيًا على الأقدام تكفي؟؟
لكن لحظة واحدة فقط قلبت حياة نغم أبو سمرة رأسًا على عقب، بطلة الكاراتيه الفلسطينية، حين باغتهم صاروخ الاحتلال فدمر منزلهم وأصيبت إصابة بالغة انتهت ببتر ساقها، ولمدة عشرين عامًا ناشد والدها العالم كله أن يسمح لها بالسفر لتلقي العلاج، لكن لا مجيب، وبعد صراع طويل رحلت نغم، وقتل معها حلمها في تمثيل فلسطين في بطولة عالمية.
سعاد سكيك
لم تمت سعاد سكيك بالقصف المباشر، لكن الحرب قتلتها بطريقة أخرى، بعد أن قتلت الحرب الأطفال والنساء في غزة دهسًا وقنصًا وقصفًا وجوعًا وخوفًا وبردًا، ماتت سعاد قهرًا، حيث أنهكها النزوح المتكرر ومشقة الانتقال بين بيت وآخر، فقد كانت الصحفية المثابرة التي أوجعها عيش الخيام وأثقل قلبها بكاء طفلتيها من الجوع والبرد، ففي خيمة النزوح توقف قلبها فجأة، توقف وهو مثقل بالعجز والوجع، ماتت سعاد، وكانت شهيدة القهر.
مريم نصار
في اليوم الثاني من مجزرة مستشفى المعمداني كانت مريم تتوقع أن ينتفض العالم كله لدماء أطفال غزة، لكنها استيقظت على صباح طبيعي في كل أنحاء العالم، إلا في غزة حيث اشتدت الأحزمة النارية حولهم، ومع كل اقتراب لصوت الصواريخ كانت تحتضن أبناءها وتخفي رضيعها مجد بين ذراعيها.. وفجأة تراءى لها صاروخ مرعب يهبط من السماء عبر نافذة غرفتها، تجمد الدم في عروقها، ولم يكن ذلك مجازًا، حيث صرخت صرخة أخيرة وهي تظن أن الصاروخ يشق طريقه نحو أطفالها، فتوقف قلبها من الخوف، تدرك وقتها أن في غزة لم يعد مثل “مات من الخوف” مجازًا.
هيا مرتجى
في ليلة هدنة قصيرة كانت المنشدة الفلسطينية هيا مرتجى ترسم لطفلتيها أحلام استوديو صغير، وتحضر أغنيات تشبه الحياة وتزرع الفرح في قلوب أطفال غزة بعد عام طويل من الرعب والجوع والنزوح منذ اليوم الأول لحرب الإبادة، حيث استمرت في تحضير الألعاب والأناشيد وحلمت بيوم يسمع فيه الأطفال صوتها بلا صواريخ ولا قنابل تخيف ليلهم، لكن أكثر من مائة صاروخ أنهت الحلم فجأة، وأسقطت السماء رعبها على الأرض.. توقف قلبها من الخوف، وصارعت الموت عشرة أيام قبل أن ترحل شهيدة، تاركة خلفها أغنية صباح لم تكتمل وحلمًا بحياة آمنة لأطفال غزة وطفلتين تنتظران عودتها لتغني لهما أغنية النوم.
ام هزاع
كانت أم هزاع تتساءل كيف تستطيع الأم في فلسطين أن تودع أبناءها دفعة واحدة، وكيف يتساقط الفرح من قلبها في لحظة…
منذ بدء حرب الإبادة كانت تبكي الأمهات في غزة وتدعو لهن بالصبر والثبات، وهي لم تعلم أن لها نصيبًا كبيرًا من وجع أمهات الوطن السليب، ففي يوم واحد ودعت أبناءها الأربعة هزاع ورامي وأحمد وعلاء، فقد قنصهم جندي يقف على قارعة الطريق في مخيم جنين أطلق رصاصه على مجموعة من الشبان بينهم أبناؤها، فانفرط عقد حياتها دفعة واحدة، ووقفت أمام جثامينهم تبكي وتقول: لم يبق لي أحد، ولن يناديني أحد منهم بعد اليوم يا أمي.
علا نبابتة
هل يتخيل أحد في العالم أن هناك امهات في القدس يقلقن على أبنائهن أحياء وأمواتًا؟!
كلما مررت أمام المقبرة اليوسفية تجد أمهات يجلسن على قبور أبنائهن، يحرسنها من الجرافات التي تحاول اقتلاع القبور لإقامة حديقة يهودية، كالمقدسية علا نبابتة التي تحرس قبر ابنها يوميًا وتمنع نبشه وتجريفه، مدركة أن معاناة الأم المقدسية لا تنتهي حين تفقد ابنها شهيدًا، بل تستمر حتى وهي تجلس حارسة لقبره.
هيا مقداد
قبل الحرب كانت هيا مقداد تعد الأيام على رزنامة معلقة على جدار غرفتها بانتظار تحرر والدها بعد عشرين عامًا في سجون الاحتلال، لكن الحرب جاءت قبل شهر واحد من موعد الإفراج عنه، فمنع الاحتلال إطلاق سراحه، وحرمت هيا من عناق والدها الذي انتظرته سنوات طويلة، ومرت كل لحظات حياتها الكبرى من التخرج إلى زفافها وحتى حين أصبحت أمًا دون أن يحتضنها، وقبل أن يكتمل حلم اللقاء قتل الاحتلال هيا وأطفالها، وقتل حلم العناق!
سماح نعيم
ولدت سماح نعيم في مدينة برلين لكنها تربت على حب فلسطين، غرس والدها في قلبها الانتماء للأرض واللغة والثقافة رغم البعد الجغرافي، فعادت إلى غزة وكبرت بين أزقتها وأصبحت طبيبة أسنان، وكانت أول زميلة لوالدها في المهنة.
وفي ليلة حالكة من ليالي الإبادة قصف البيت الذي نزحت إليه مع عائلتها، فرحلت مع ابنتها لارا وأختها شيماء وابنها تيسير وأختها بتول وجدتها وابنة أختها ليا، لتلتحق بركب الأطباء الشهداء الذين قتلهم الاحتلال.
ضحى الصيفي
كانت ضحى الصيفي تؤمن أن أثقل التوابيت أصغرها، لا سيما حين سرقت الحرب منها أمومتها في تابوت واحد، ففي صاروخ واحد فقدت أطفالها الثلاثة ريتال ونور الحق وأسامة في قصف الاحتلال لمدرسة دار الأرقم بينما كان الأطفال يحاولون سرقة فرحة العيد.. نجت ضحى بأعجوبة لكنها أصيبت بإصابات خطيرة، وتشوه وجهها، وفقدت القدرة على الكلامأاياما طويلة.
خشيت الصحفية ضحى أن تضيع أسماء أطفالها بين زحمة المجازر، فقررت أن تكون صوتهم، وتروي قصتهم لتثبت أن ضحايا الاحتلال ليسوا أرقامًا بل أحلامًا اختطفتها الحرب.
وفاء جرار
كانت وفاء جرار أمًا وصديقة لأهالي الأسرى والشهداء، تساندهم وتربت على أكتافهم رغم غياب زوجها أسيرًا في سجون الاحتلال لسنوات طويلة، وفي صباح مأساوي من صباحات مخيم جنين اقتحم الجيش بيتها، وأصابها الاحتلال ففقدت قدميها ومكثت شهرين في غيبوبة تامة قبل أن ترحل شهيدة!
شاتيلا أبو عيادة
كانت شاتيلا في طريقها إلى جامعتها حين اعترضها جنود الاحتلال واعتقلوها وألقوا بها في زنزانة مظلمة شهرًا كاملًا دون أن تعلم عائلتها شيئًا عنها، وتعرضت للضرب والضغط النفسي قبل أن يحكم عليها بالسجن الفعلي ستة عشر عامًا..
فخلف جدران سجن الدامون تقبع شاتيلا، حيث رفض الاحتلال إدراج اسمها في صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، لتفقد زهرة شبابها بين عتمة السجن وقهر السجان.
جمانة عرفة
حلمت جمانة باحتضان طفليها التوأم بعدما أنجبتهما وسط القذائف والصواريخ، بعد ثلاثة أيام خرج زوجها ليستخرج لهما شهادتي الميلاد، لكن صواريخ الاحتلال سقطت في اللحظة نفسها على البيت الذي نزحت إليه، فرحلت جمانة مع طفليها أيسل وآسر، وعاد زوجها في اليوم ذاته ليخرج لهم شهادات وفاة، فقد قتل الاحتلال جمانة وسلب منها حلم الامومة الذي انتظرته طويلًا.
إيمان الشنطي
كانت الصحفية إيمان الشنطي صوت غزة وحكاياها، تحلم بتوثيق القصص الإنسانية في مؤتمرات دولية، وتسعى لصناعة الأفلام الوثائقية، عبر مايكروفون الإذاعة تزرع الضوء في قلوب الناس المتعبة من الحصار، وفي فجر يوم من أيام الإبادة رحلت إيمان مع زوجها وأطفالها بلال وعمر والما، تاركة ابنتها الكبرى بنان لتكمل الحكاية، وسال دمها على أرض غزة التي أحبت، لتبقى قصتها حية في كل قلب يعرف أن الحقيقة لا تموت.
فعلى أعتاب الخيام تُعيد المرأة في غزة ترتيب الحياة من رماد البيوت، وفي زنازين التحقيق تتشبثُ بكرامتها، وعلى بوابات القدس ترابط، تُبعَد ثم تعود!
ففي هذا اليوم الذي يكتب فيه العالم عن المرأة، تكتب المرأة الفلسطينية قصتها بمدادٍ من صبرٍ إما شهيدة أو أسيرة أو أم شهيد أو جريحة أو مبعدة أو مرابطة.




