علا قطيشات.. طفلةٌ تبتلع الزنزانة أخبارها
في مدارس فلسطين، ليست كلُّ المقاعد التي غاب عنها أصحابها متشابهة، ولا كلُّ الفراغات تُفسَّر بالغياب، فلكلِّ مقعدٍ حكاية، ولكلِّ كرسيٍّ صامتٍ وجعٌ لا يشبه سواه.
هناك مقعدٌ في صف الصغار لم يعد ينتظر صاحبه، لأن طفلًا كان يحلم بحصة العلوم وجرس الاستراحة، سبقته رصاصةٌ إلى السماء، فصار اسمه يُقرأ في قوائم الشهداء بدل كشف الحضور.
وهناك مقعدٌ لا يزال يحتفظ بدفء حقيبته، لكن صاحبه يقبع خلف باب منزلٍ أُغلق عليه بأمر الحبس المنزلي؛ سجنٌ لا أسوار له، لكنه يلتهم الطفولة ببطء، أمٌّ تحصي خطواته خوفًا، فتغدو سجانةً مكرهة، وأبٌ يقف على الباب حارسًا لقيدٍ لم يختره، بينما يراقب الطفل أصدقاءه يذهبون إلى المدرسة من خلف نافذته، ويعدُّ الأيام بدل الدروس.
وهناك مقعدٌ ينتظر طفلًا يقبع خلف قضبان السجون، بين زنازين باردة ورطبة، في أماكن لا تليق بإنسان، فكيف بطفل؟ طفلٌ كان يجب أن يحمل قلمًا ودفترًا، فإذا به يحمل رقمًا في سجل الأسرى، ويتعلم معنى القيود قبل أن يتعلم معنى الحرية.
مقاعدُ فارغة
إنها مقاعد تبدو فارغة لمن ينظر إليها بعينيه، لكنها في الحقيقة ممتلئة بأسماءٍ مقهورة وطفولة لا تشبه شيئًا إلا الاسم، وبأرواحٍ ما زالت تنتظر عدالةً تعيد إليها حقها في أن تعيش الطفولة فقط!
في الوقت الذي تستعد فيه فتيات العالم للعودة إلى مقاعد الدراسة، تقبع اليوم أربع فتيات قاصرات خلف قضبان الاحتلال، أصغرهن علا عبد الناصر طالب قطيشات، ابنة السادسة عشرة من بلدة طمون جنوب طوباس التي كانت تطمح بأن تدرس الصحافة يومًا لتكتب حكايات الناس، لكن الاحتلال اختطفها من طريق مستقبلها، وحوّلها في ليلة واحدة من طالبة تستعد لعام دراسي جديد، إلى أسيرة تنتظر جلسات محاكمتها بعيدًا عن دفء منزلها واحتضان أسرتها.
طفولة مسلوبة
تروي عائلتها لمنصة القدس 360 ما حدث مع علا: “في الليلة التي كانت تستعد فيها لاجتياز امتحان اللغة الإنجليزية، سهرت مع شقيقتها تراجع دروسها، لنتفاجأ عند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، طرقٌ عنيف على باب منزلنا وخلال دقائق امتلأ البيت بجنود الاحتلال واقتادوا علا إلى السجن”!
تكمل شقيقتها بأسى كبير: “لم تُمنح علا فرصة لتوديع أمي، ولا حتى لسؤال الجنود: لماذا؟ قُيدت يداها، وعُصبت عيناها، واقتيدت من بين صرخات والديّ وشقيقتي التي كانت تردد: “إنها طفلة… أعيدوها” ولكنهم ألقوا قنبلة صوت ليدبوا الرعب في قلبها وقلوبنا”.
“كان همّ علا الوحيد في تلك الليلة أن تنجح في امتحان اللغة الإنجليزية، أما اليوم فهي تخوض امتحانًا أشد قسوة، داخل غرفة معزولة في سجن “الدامون”، ولا نعرف عنها شيئًا وتقضي أيامها في الزنزانة الرطبة بعيدًا عن مدرستها برفقة طفلة أخرى اسمها ندى بني عودة”.
كانت تحلم “علا” بإنهاء دراستها في الفرع التجاري، ثم دراسة الصحافة، لتدافع بقلمها عن المظلومين، غير أن الأحلام في فلسطين تبتلعها رصاصة، أو حكم قاسٍ بالسجن المنزلي أو الفعلي!
رحلة العذاب الطويلة
لا تنتهي معاناة الأسيرات الفلسطينيات عند أبواب الاعتقال، بل تبدأ رحلة طويلة من الانتهاكات داخل سجن “الدامون”، حيث تتحول الحياة اليومية إلى سلسلة متواصلة من العقوبات الممنهجة، فمنذ اللحظة الأولى لاحتجازهن، يواجهن سياسات قاسية تقوم على التجويع المتعمد، إذ تُقدم لهن وجبات رديئة لا تكفي لسد الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، ما أدى إلى فقدان كثيرات منهن أوزانهن وتدهور حالتهن الصحية بشكل ملحوظ. كما تتعمد إدارة السجن حرمان الأسيرات المريضات من الرعاية الطبية اللازمة، عبر المماطلة في تقديم العلاج أو الأدوية، وهو ما يضاعف معاناة الأسيرات اللواتي يعانين من أمراض مزمنة، ويشكل خطرًا مضاعفًا على الأسيرات الحوامل وأجنتهن.
تقول شقيقة علا: “لا تقف الانتهاكات عند حدود الغذاء والعلاج، إذ تُحتجز الأسيرات في غرف مكتظة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الإنسانية، وسط ظروف صحية سيئة، وحرمان من الأغطية الكافية والمستلزمات الشخصية الأساسية، فضلًا عن المنع شبه الكامل من زيارة العائلات، الأمر الذي يعمق عزلتهن النفسية ويزيد من قسوة تجربة الاعتقال”.
وتختم حديثها: “كما تتعرض الأسيرات بصورة متكررة لعمليات اقتحام للغرف، وعقوبات بالعزل الانفرادي، واعتداءات جسدية ولفظية، وعمليات تفتيش عارٍ مهينة، في إطار سياسة تستهدف كسر إرادتهن والنيل من كرامتهن الإنسانية، لتغدو الزنزانة مساحة تتراكم فيها أشكال متعددة من العقاب، تتجاوز سلب الحرية إلى انتهاك الجسد والنفس والحق في الحياة الكريمة”!



