Blog

شهود النكبة.. شهداء الإبادة

خمسة أعوامٍ فقط كانت كل ما نالته الحاجة زهر من الحياة في قرية الجورة، لكنها ظلت تكفيها عمرًا كاملًا من الحنين، فهناك، على شاطئ البحر القريب من يافا، كانت طفلةً تركض خلف أبيها الصياد مع خيوط الفجر الأولى، ترى الرجال يتنقلون بين المراكب الصغيرة التي كانوا يسمونها “الشنشولة”، تشقّ الماء بالأشرعة والمجاديف قبل أن يعرف البحر معنى الحصار، وقبل أن تعرف البلاد معنى الاحتلال.

كانت الحياة بسيطة حدّ الدهشة؛ شبكةٌ يدوية تُلقى في البحر فتعود ممتلئة بالرزق، وطفلةٌ صغيرة تراقب والدها بإعجاب وهو يبتسم لخير البحر ورزقه.

ثم جاءت النكبة..

لم تكن “زهر هنية” قد كبرت بعد لتفهم معنى أن يُقتلع الإنسان من عمره دفعة واحدة، لكنها فهمت كل شيء من دموع أمها، فتلك اللحظة ظلّت محفورةً في قلبها أكثر من سبعين عامًا؛ حين أغلقت أمها باب البيت للمرة الأخيرة، بينما كانت الجموع تمضي على الطرقات زمرًا زمرًا، نساءٌ يحملن فرش بيوتهن ويعلّقن المفاتيح في رقابهن كأنهن يحملن أعمارهنّ بأكملها.

سألتها الطفلة الصغيرة “زهر” بخوف: “هل سنعود قريبًا يا أمي؟” فأجابتها الأم وهي توصد الباب جيدًا كأنها تحرس البيت حتى في غيابها خافية دمعاتها: “سنعود قريبًا جدًا… يومان ونرجع يا زهر”، لكن اليومين تحوّلا إلى عمرٍ كامل من اللجوء.

كبرت “الحاجة زهر” في مخيم الشاطئ، وكانت أكبر إخوتها، وشاهدةً على كل ما مرّ على فلسطين من وجع؛ شهدت النكبة، ثم النكسة، ثم حروب غزة المتعاقبة، حتى وصلت إلى الحرب الأخيرة “حرب الإبادة”، تلك الحرب التي كانت تقول إنها أقسى من النكبة نفسها.

ثمانية شهور كاملة من الجوع والقصف والنزوح والموت، عاشت فيها التهجير مرةً ثانية، لكن هذه المرة على كرسيٍّ متحرك، بعد أن أثقل العمر قلبها وجسدها، فقد رفضت مغادرة غزة رغم التهديدات والقصف، ورغم كل من حاول إقناعها بالنزوح جنوبًا أو الخروج خارج البلاد، وكانت تردّ بصوت امرأةٍ ثابتة متشبثة بأرضها: “عمري أطول من عمر الاحتلال”!

نجت الحاجة “زهر” بأعجوبة حين قُصف البيت الذي نزحت إليه في حي الشيخ رضوان، ثم وجدت نفسها في ممرات مستشفى الشفاء، تغفو وتصحو على كرسيها المتحرك بين أصوات العمليات والقصف والأنين.

أربع ليالٍ ثقيلة كالعمر، لكنها أيضًا رفضت بعدها الرحيل عن غزة، ثم عادت إلى مخيم الشاطئ، كأن المخيم لم يكن مجرد مكان، كانت تجلس قبالة البحر فتعود إليها طفولتها في الجورة، وترى في جدران المخيم وأزقته الضيقة امتدادًا لحارات القرية التي هُجّرت منها قبل عقود، وهناك عاش أبناؤها وأحفادها، وهناك كانت زهر أمًّا للمخيم كله؛ تجمع النساء، وتحتضن الأطفال، وتفتح قلبها لكل اللاجئين كما لو أنها تحاول أن تعوّض الجميع عن وطنٍ مفقود.

لكن الاحتلال الذي ظلّ يرتعب من تمسك الفلسطينيين بالحياة، لم يحتمل حتى هذا الصمود العجوز، وفي ليلةٍ دامية باغتت الصواريخ البيت وهم نيام، وكانت مجزرةً كاملة ضد النساء والأطفال.

رحلت زهر هنية مع عددٍ من أبنائها وأحفادها، ورحل ابنها ناهض مع زوجته وأطفاله التسعة دفعةً واحدة، كأن الموت كان يمرّ على العائلة بيتًا بيتًا، وكان لكل ولدٍ منها نصيبٌ من الفقد؛ فهذا استشهد، وذاك أُسر، وآخر فقد زوجته، وابنها عادل كان قد سبقهم إلى الشهادة عام 2005م.

وحين انتهت الحكاية، كانت زهر قد غادرت الدنيا كما عاشتها تمامًا؛ شاهدةً على نكبتين، وعلى قهرٍ طويل لم ينتهِ، وعلى وطنٍ ظلّ ينزف جيلًا بعد جيل..

لم تكن الحاجة زهر وحدها شاهدةً على نكبتين، ولم تكن وحدها ممن حملوا مفاتيح البيوت في أعناقهم ومضوا يظنون أن الغياب لن يطول، بل كان هناك عشرات من الرجال والنساء الذين خرجوا من قراهم عام النكبة وهم يرددون: “يومان ونعود”، ثم امتد الطريق بهم سبعة وسبعين عامًا من اللجوء والقهر والانتظار.

أولئك الذين علّقوا مفاتيح البيوت على رقابهم، وكبروا وهم يحرسون المفاتيح كأنها آخر ما تبقى من الوطن، يورثونها لأبنائهم وأحفادهم كما تُورث الأسماء والدماء، ويعيشون أعمارهم كلها على وعد العودة، لكن كثيرين منهم لم يعودوا إلى بيوتهم، بل انتهت أعمارهم في الخيام ذاتها التي ظنوا أنها مؤقتة، أو تحت أنقاض البيوت التي لجؤوا إليها بعد عقود من التهجير.

ويا لقسوة الحكاية، فالجيل الذي نجا من مجازر النكبة وعاش النكسة والحروب والمخيمات والجوع وجد نفسه في آخر العمر يركض مرةً أخرى من القصف، ويعيش النزوح ذاته والخوف ذاته والانتظار ذاته.

تأخرت العودة كثيرًا.. حتى صار بعض اللاجئين شهودًا على النكبة الأولى ثم شهداء في النكبة الثانية!

 

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى