إنسان

لم تنكسر عدسته.. “نهروان” امتداد الحكاية

 لم تنكسر عدسة كاميرته.. ما انكسر هو قلب “يحيى”
فكيف بملتقط الصور المبهجة أن يضطر في أول أيام الإبادة أن يضيف على صور الأطفال التي التقطتها خطًا أسود أعلى يسارها؟! وكيف به يتخيل أن مهمته الآن هي توثيق الفقد لا الفرح بعد أن اعتاد نشر صور الأطفال بألوان زاهية، وجلسات الأطفال حديثي الولادة المليئة بالضوء والحياة.

منذ اليوم الأول لحرب الإبادة على قطاع غزة، وجد المصور الغزي “يحيى برزق” نفسه مجبرًا على إعادة نشر الصور ذاتها، لكن هذه المرة كوداع أخير.. حين تحوّلت صفحته على الانستجرام من الاحتفال بالحياة إلى تسجيل أسماء “طيور غزة” الذين حلّقوا إلى السماء قبل أن يكبروا ويروا صورهم التي التقطها، وبقي توثيق صورهم قبل الحرب دليلاً موجعًا على جريمة لا تُنسى!

الألوان التي كانت تُبهج العين صارت شواهد، والابتسامات تحوّلت إلى صور صامتة إلا من الوجع وهو يضع خطًا أسود على يسار كل صورة، إعلانًا صامتًا بأن هذا الطفل ارتقى شهيدًا.

حلمٌ موؤود

ولأن الاحتلال لم يكتفِ بحزن الفلسطيني، ولم يكتفِ بقهره وهو يشاهد صور الفرح تتحوّل إلى إشعارات وفاة، قتلت قوات الاحتلال “يحيى” فأصبح هو نفسه في أرشيف الحرب!

قبل انقضاء حرب الإبادة بتسعة أيام فقط، استهدف القصف المكان الذي كان يجلس فيه يحيى، يحمل ذاكرته الصغيرة بين يديه، وكاميرته التي التقطت للعالم وجوه الأطفال، ووجعهم، وأحلامهم المؤجلة، ارتقى شهيدًا وهو يفعل ما آمن به: أن تكون الصورة شاهدًا على جرائم المحتل

وبرحيله، انهار حلم نهروان؛ ذلك الحلم البسيط الذي كانا يتقاسمانه: أن يعودا إلى غزة معًا، بعد أن تنغلق فوهة النار، ويكملا مسيرتهما في تصوير الأطفال، لكن القصف كان أسرع من الحلم، وأقسى من أمنيتهما.

امتدادُ الحكاية

بقيت نهروان وحيدة! لكنها رفضت أن يُمحى اسم “يحيى” بعد غيابه، حملت العدسة وأكملت المشوار.. افتتحت نهى الاستديو من جديد، وأعلنت للعالم أنها لم تنكسر، وأن مسيرة يحيى برزق لن تتوقف، فالكاميرا التي حاول الاحتلال إسكاتها عادت لتصور الأطفال بألوان مبهجة من جديد.

منصة القدس 360 حاورت “نهروان” زوجة الشهيد المصور “يحيى برزق” وشريكة مسيرته، بعد إعلانها عن عودتها إلى التصوير وحدها لتكون امتدادًا لحكاية إبداعه.. تستهل حديثها: “أمسك كاميرته فترتجف يداي، لأنني افتقدت يحيى، فغابت ضحكته ولمساته إبداعه، وغاب الفرح الذي كان يملأ الاستديو”، وتكمل كلامها بحزن كبير: “في كل دقيقة بجلسة التصوير يتهيأ لي أن يحيى سيدق الباب ويأتي ليحمل كاميرته مرة ثانية، فالاحتلال أوجعنا بقتل يحيى مصور البهجة”.

تعود نهروان بذاكرتها إلى الجلسة الأقسى على قلب “يحيى” قبل استشهاده، تقول لمنصة القدس 360: ” بعد أن كان يحيى يصور الفرح والبهجة كان أقسى ما صوره قبل استشهاده جلسة تصوير لفتاة وأختها على باب الخيمة «فوتوسيشن على الطريق»، لطفلة صغيرة من مواليد الحرب، تغفو على قدم أختها في البرد الشديد، حيث لا سرير ولا فراش تنام عليه هذه الطفلة”.

وبينما تحاول نهروان، ومن بقي، لملمة الذاكرة المثقلة بالفقد، يبقى ما وثّقه يحيى شهادةً لا تموت، ورسالةً تقول إن الكاميرا الفلسطينية لا تُكسر عدستها، لأنها حقيقة لا تموت أبدًا.

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى