رحلة العذاب الباردة: حكايات الأسيرات الفلسطينيات مع الشتاء
لا يقلّ وجع البرد داخل السجون عن قسوة السجّان ذاته!
فمع حلول فصل الشتاء تدخل الأسيرات الفلسطينيات مرحلة جديدة من المعاناة، حيث يتحوّل البرد إلى خصم دائم يرافقهن في الزنازين الباردة، يستقبلن الشتاء بملابس مهترئة لا تقي أجسادهن، وأغطية ممزقة لا تمنح دفئًا، في ظل غياب أبسط مقومات الحماية من الصقيع.
ولا يُنظر إلى الشتاء داخل السجن كفصل عابر من فصول العام، بل كأداة إضافية من أدوات العقاب المتعمّد، إذ تتعمد إدارة السجون منع إدخال المستلزمات الشتوية الأساسية، وتشديد الإجراءات القاسية بحق الأسيرات، بما يضاعف من معاناتهن اليومية، فيتحوّل البرد إلى وسيلة ضغط مستمرة، تُضاف إلى سلسلة طويلة من أساليب التنكيل.
“قطعة من العذاب” هكذا وصفت الأسيرة المحررة “هيفاء أبو صبيح” رحلة البوسطة في مستهل حديثها عن وجع الأسيرات في الشتاء مع منصة القدس 360 لتسرد مشاهد محفورة في ذاكرتها لا تزال تستدعيها ألمها كلما حل الشتاء، فلم تكن مجرد وسيلة نقل إلى المحاكم، بل رحلة موت بطيء! تسرد مشاهد محفورة في ذاكرتها، لا تزال تستدعي الألم كلما حلّ الشتاء.
الطفلة الأسيرة “لمى البكري” كانت رفيقة “أبو صبيح” ذات يوم قاسٍ في برده وأحداثه، حين خرجتا في ظل برد شديد إلى المحكمة، تقول: “كنت برفقتها إضافة إلى أسيرتين قاصرتين، ومنذ لحظة الصعود إلى البوسطة، استطاعت لمى الصعود إليها بصعوبة شديدة وهي مكبلة اليدين والقدمين مع إصابة في قدمها، فبكت يومها من استهزاء وتنمر وضحك السجانين عليها”.
كانت “لمى” بملابس خفيفة جدًا لا تتناسب مع الصقيع الذي يعصف بهن، تكمل حديثها: “رفض السجانون يومها أن تحمل أكثر من غطاء رقيق، أما البوسطة فكانت تشبه صندوق متجمد، وكان البرد يتسلل إلى أجسادهن بلا رحمة”.
“بدأت لمى بجسدها الطفولي ترتجف بشكل متواصل، حتى صارت ينتفض من شدّة البرد، وحين لاحظ السجانون معناتنا رفعوا درجة التكييف البارد إلى أقصاها، فبدأنا جميعنا بالصراخ، وطالبن الجنود بإطفاء المكيف أو تخفيفه ورفضوا، ومع زيادة ألمهن، بكت الأسيرات الصغيرات بينما عصف الوجع في قلبي، فحاولت مواساتهن وأنا أيضًا أرتعش وأرتجف من الصقيع، لكنني تماسكت وخلعتُ جلبابي وغطيت به لمى في محاولة مني أن يخف ارتجاف جسدها وألم قدمها من الإصابة” تسترسل “أبو صبيح” حديثها.
وفي حوار أجرته منصة القدس 360 مع الأسيرة المحررة نسرين أبو كميل، كشفت عن جانب من أساليب التعذيب التي تتعرّض لها الأسيرات مع حلول فصل الشتاء، مؤكدة أن البرد يتحوّل إلى أداة عقاب إضافية داخل السجون، تقول: “إدارة السجون كانت تتعامل مع احتياجات الشتاء بقدر كبير من القسوة، حيث يُمنع إدخال الأغطية والملابس الشتوية بشكل شبه كامل، في سياسة تهدف إلى مضاعفة معاناتنا، والسماح المحدود أحيانًا للأهالي بإدخال هذه المستلزمات لا يعني وصولها إلى الأسيرات، فكانت إدارة مصلحة السجون تستبدلها بأغطية وملابس قديمة ومهترئة لا تقي من البرد ولا تصلح للاستخدام، كي تجبرهن على شراء احتياجات الشتاء من “الكنتينة” بأسعار مرتفعة تفوق قدرتهن المالية، في ظل انعدام أي بدائل أخرى”.
وتابعت أبو كميل أن معاناة الأسيرات لا تقتصر على الحرمان المادي، بل تمتد إلى ممارسات مقصودة للتنغيص عليهن خلال الليالي الباردة، من خلال الاقتحامات الليلية المتكررة للغرف والأقسام، ما يضاعف شعور الخوف والبرد والإرهاق، ويجعل فصل الشتاء موسمًا مفتوحًا للعقاب والتنكيل داخل السجون.
كما أوضح مكتب إعلام الأسرى في بيان له أن الأسيرات الفلسطينيات يواجهن أوضاعًا إنسانية قاسية مع دخول فصل الشتاء، في ظل نقص حاد في الأغطية والملابس الشتوية اللازمة للوقاية من البرد القارس داخل الزنازين، وأوضح البيان أن معاناة الأسيرات تتضاعف خلال ساعات الليل، حيث تنخفض درجات الحرارة بشكل كبير، في وقت تفتقر فيه الغرف إلى أي وسائل تدفئة، ما يجعل البرد عاملًا إضافيًا من عوامل التعذيب اليومي.
وأشار في بيانه إلى أن هذا الحرمان لا يمكن فصله عن سياسة الإهمال الطبي والمعيشي المتعمّد التي تنتهجها إدارة السجون، والتي تقوم على تجاهل الاحتياجات الأساسية للأسرى والأسيرات، ورفض إدخال مستلزمات الشتاء، رغم المناشدات المتكررة والظروف الصحية الصعبة، مؤكدًا على أن تلك التضييقات تندرج في إطار إجراءات تنكيلية ممنهجة، تهدف إلى كسر إرادة الأسيرات.


