من زنزانة (7) إلى العالم: “مُسحنا بالكامل”
تختلف هذه الرسائل عن غيرها!
فهي لا تصل عبر البريد، ولا تحملها الطرقات العادية، بل تخرج من خلف الأبواب الحديدية المغلقة، ومن قلب العزل والسجون، لتشق طريقها نحو قلوب أنهكها الانتظار..
خمسة عشر عامًا تترقبُ الفلسطينية “غفران زامل” لحظة حرية خطيبها “حسن سلامة”، وإلى حين اللقاء والحرية تسأل أسير محرر يعود إلى الحرية بلهفة: “هل رأيت حسن؟ هل أوصاك برسالة؟ هل حمل لك شيئًا من كلماته؟”
كانت تنتظر أي أثر يؤكد أن الرجل الذي ترك قلبه معها ما زال يقاوم الغياب، ولكن الرسالة هذه المرة أوجعت قلبها كثيرًا.. وصلت بعد مئات الأيام من انقطاع الأخبار، وبعد صمت طويل أثقل القلب وأرهق الروح، ولم تكن رسالة تقليدية، بل شهادة حية على قسوة العزل ووحشة السجن، وعلى رجل يحاول أن يطمئن من يحب وهو يغرق في تفاصيل حياة تسحق الإنسان يومًا بعد يوم.
منذ ما يقارب ثلاثة عقود، يقبع الأسير حسن عبد الرحمن حسن سلامة، ابن مدينة خان يونس المولود عام 1971م خلف قضبان السجون الإسرائيلية، بعد أن انتهت مطاردته في مدينة الخليل عام 1996م بإصابته واعتقاله، إذ صدر بحقه 48 حكماً بالسجن المؤبد، إضافة إلى ثلاثين عاماً، في مجموع يصل إلى 1175 عاماً، أمضى منها ثلاثة عشر عاماً في العزل الانفرادي، بعيداً عن العالم، وعن أسرته، وعن تفاصيل الحياة التي توقفت عند لحظة اعتقاله.
قبل أيام، كتب حسن إلى خطيبته “غفران” رسالة من زنزانته رقم “7” في عزل مجدو:
“يعلم الله كم أنا مشتاق إليك وأتمنى أن يكون اللقاء قريب، أنتِ تعرفين مشاعري وما أحمله لكِ، لكن صدقيني ما نعيشه من أوضاع وما نحن فيه مسحنا بالكامل، لدرجة أن الإنسان أحياناً لا يعود قادراً على التعبير عن أي شيء، أنتِ لا تعرفين كم هي صعبة حياتي، والأصعب أنني لا أعرف متى سينتهي كل هذا..
كل شيء عندي كما هو، لم أنزل إلى العيادة، ولم يجروا لي فحص النظر ولا المنظار، وكلما طالبت لا أحصل على أي رد، وقبل حوالي عشرة أيام كان هناك اقتحام للقسم، لكنه أخف من المرات السابقة، الحياة هنا كما هي، روتين قاتل، والأيام تمضي ببطء شديد
أشتاق إليكِ كثيراً”
كانت كلمات قليلة، لكنها حملت ما هو أكبر من الكلمات؛ حملت شوق خمسة عشر عامًا، وثقل العزلة، وخوف رجل لا يعرف متى تنتهي محنته، ورسالة نجت من جدران السجن لتصل إلى قلب ظل ينتظرها طويلًا.
لم تعد الرسائل وحدها هي التي تغيّرت خلف القضبان، بل تغيّر الأسرى أنفسهم، فحين يخرجون من السجون التي تحوّلت إلى مقابر للأحياء، تبدو ملامحهم غريبة على أقرب الناس إليهم؛ أجساد أنهكها الجوع، ووجوه حفرتها المعاناة، حتى تكاد الأم لا تعرف ابنها، وتبحث العائلة في ملامحه عن الأسير الذي ودّعته قبل أشهر أو سنوات.
قبل يومين، خرج الأسير عبدالله شتات من السجن بجسدٍ نحيل يكاد لا يقوى على حمله، ووجهٍ أطفأت السجون بريقه، وما إن عبر بوابة الحرية نحو عائلته المنتظرة، حتى سقط مغشيًا عليه من شدة الوهن والتعب، في مشهد اختصر ما يتعرض له الأسرى داخل المعتقلات من تجويع وإهمال واستنزاف لأجسادهم وأرواحهم.
لم يكن عبدالله وحده من خرج بهذه الحال، بل كان شاهدًا حيًا على ما تفعله الزنازين بأجساد الأسرى، وعلى سنوات تُسرق من أعمارهم يومًا بعد يوم!
فالصحفي مجاهد مفلح دخل السجن 14 شهرًا، ثم خرج وكأنه خرج من حربٍ طويلة خاضها بجسده كله؛ جسدٌ مشوّه أنهكته العزلة والتعذيب والإهمال، ووجهٌ ذابل أطفأت السجون ملامحه، وعقلٌ غائب أنهكته المعاناة حتى بدا كأنه لم يعد هو نفسه، ولم يكن خروجه نهاية الألم، إذ أمضى أكثر من مئة يوم في العناية المركزة، بين الحياة والموت، في مشهد يلخص ما يمكن أن تفعله الزنازين بالإنسان!
“مجاهد مفلح” لم يخرج من السجن كما دخله، بل خرج شاهدًا حيًا على قسوة ما يواجهه الأسرى داخل المعتقلات، وعلى الثمن الباهظ الذي يدفعه الإنسان حين يُترك وحيدًا في مواجهة القهر.
بعد استيقاظه من غيبوبته كتب مجاهد واصفًا الشهور والأيام: “14 شهرًا من السجن ورحلة علاج طويل لم تكن مجرد وقتٍ عابر، بل كانت عمرًا كاملًا من الوجع؛ أيامٌ ثقيلة عشت فيها الجوع حتى صار الخبز حلمًا، والعطش، حتى غدت جرعة الماء نعمة، ومررت فيها بأشكال من الإذلال والتعذيب تكفي لأن تغيّر ملامح الروح قبل الجسد.
هناك، بين الجدران الباردة والليالي الطويلة، تعلّمت كيف يمكن للجوع أن يكسر الكبرياء، وكيف يمكن للألم أن يجرّد الإنسان من كل شيء إلا إيمانه وصبره، رأيت الوقت متجمّدًا، والدقائق تمضي كأنها سنوات، ورأيت كيف يكشف البلاء حقيقة الوجوه والمواقف؛ من بقي، ومن غاب، ومن كان حضوره مجرد وهم، ثم جاءت رحلة العلاج الطويلة، كامتدادٍ لذلك الألم؛ وجعٌ فوق وجع، ومحاولة يومية لاستعادة ما سُلب من الجسد والروح.
في هذه الرحلة القاسية، أدركت أن النعم التي كنا نعدّها عادية كانت أثمن مما تخيّلنا: لقمة شبع، نومٌ آمن، نفسٌ بلا ألم، خطوة بلا عجز، ووجهُ حبيبٍ تراه بلا قيود.
أربعة عشر شهرًا كانت كفيلة بأن تعلّمني أن الصحة تاج، وأن الحرية حياة، وأن الكرامة ليست تفصيلًا صغيرًا، بل هي روح الإنسان نفسها”!




