إنسانتقارير

منخال غزة

في كلّ أنحاء العالم، ينتظر الناس لحظة الوصول بوصفها ذروة الفرح، يصلون إلى وظيفةٍ حلموا بها، أو بيتٍ تعبوا لأجله، أو شهادةٍ علّقوا عليها أعمارهم، فالوصول هناك يعني أنّ الانتظار كان يستحق، وأنّ التعب انتهى أخيرًا..

أمّا في غزّة، فالحكاية معكوسة تمامًا، فبعضُ الانتظارات وجع، وبعضُ الوصول وجعٌ أكبر، وفي غزّة أيضًا.. لا يُقاس الوصول بالنجاح، بل بعدد الأسماء التي لم تعد تعود إلى البيت، تدرك ذلك حين يكتب الغزّي أبو إسماعيل حمّاد، لا ليعلن خبرًا سعيدًا، بل ليخبر العالم أنّه اجتاز عتبةً جديدة من الفقد: “وأخيرًا وصلتُ إلى رفات زوجتي…بهذه الطريقة البدائية أجمع عظامها مع جنينها، على أملٍ لا يموت أن أصلَ إلى من تبقّى من أبنائي وبناتي تحت هذا الركام”

لم تكن كلمة “أخيرًا” هنا وصلت “نهاية الطريق”، بل بداية مؤلمًا وفصلًا جديدًا من الوجع، في غزّة، يصل الناس إلى الحقيقة التي يخاف العالم من النظر إليها: أنّ بعض الآباء لا ينتظرون أبناءهم على أبواب المدارس، ولا يتهيأون لنجاحاتهم القادمة، بل يجلسون على ركام بيوتهم، يحملون منخالًا، ويغربلون التراب حجرًا حجرًا، علّهم يعثرون على ما تبقّى من أجساد أحبّتهم، وفي غزّة، الوصول ليس احتفالًا…الوصول شهادة جديدة على أن الإبادة لا تكتفي بقتل الأحياء، بل تُجبر الأحياء أن يبحثوا عن موتاهم بأيديهم.

على ركامٍ لم يعد يشبه بيتًا ولا حتى أثرَ حياة، جلس الغزي أبو إسماعيل حمّاد وحيدًا على ركبتيه، لم يكن يُنقِّب في التراب بحثًا عن حجارة صالحة، ولا عن مقتنياتٍ يمكن إنقاذها… كان يُفتِّش عن أطفاله، عن زوجته، عن وجوهٍ كانت بالأمس تملأ هذا المكان ضجيجًا! يمسك غربالًا صغيرًا، ويُمرِّر التراب عليه، ليجمع رفاتهم من بين الردم.

أبو إسماعيل حمّاد الذي نجا من القصف، ولم ينجُ من الفقد، فصار غرباله شاهدًا على واحدةٍ من أبشع صور الإبادة التي لا تكتفي بهدم البيوت، بل تمحو العائلات كاملة، وتترك الآباء وحدهم، ينقّبون في التراب عن أسمائهم.

أمّا سمر… توأمه، فللمرّة الأولى تعترف بأنّها تكره أن ترى أخاها، ليس كرهًا له، بل كرهًا لما صار عليه، بسبب الأسى الذي يكسو وجهه، والوجع الذي يضغط على قلبه حتى يكاد يُرى، ولتبدّل ملامحه من قمّة الفرح إلى قمّة البؤس، حين انكسر دفعة واحدة!

تقول سمر حماد: “كلما توقف أخي عن التنقيب والبحث، وانسحب بعيدًا عن الركام والأنقاض، عاد إلى المكان نفسه، إلى ما كان يومًا بيتًا، وجلس ينخل الرمل بيديه حبّةً حبّة، والنتيجة كانت واضحة: تغيّر وجهه، وانحنى ظهره، وانكسرت روحه”.

عائلة الغزي حماد واحدة من آلاف الجثامين التي بقيت تحت ركام البيوت، في جريمة يتحمّل الاحتلال الصهيوني مسؤوليتها الكاملة، في ظلّ تعمّده منع إدخال المعدّات الثقيلة وعرقلة أعمال البحث والانتشال، وترك آلاف الجثامين تتحلّل تحت الركام لأيام وأشهر طويلة، كشكل من أشكال العقاب الجماعي وانتهاك صارخ لكرامة الموتى وحقوق ذويهم.

فالدمار الهائل الذي طال المدن والأحياء السكنية جعل الدخول إلى قلب المباني المنهارة عملًا بالغ الخطورة، في ظل تكدّس طبقات الإسمنت والحديد وانعدام أي بنية آمنة للعمل، كما يضاعف المأساة النقص الحاد في المعدّات الثقيلة، من حفّارات وجرّافات، نتيجة القيود المفروضة على إدخالها إلى قطاع غزة، الأمر الذي أجبر طواقم الدفاع المدني والأهالي على الاعتماد على وسائل بدائية، وأحيانًا على أيديهم العارية، في محاولات انتشال الضحايا، كما أن الذخائر غير المنفجرة والمخلّفات المتفجّرة داخل الركام تشكل خطرًا دائمًا يهدد حياة المنقذين ويقيّد قدرتهم على العمل الآمن، الوصول.

فبعد عامين من الإبادة في غزة، لا يمكن النظر الآن إلى أنقاض البيوت المتكومة في غزة بقايا بيوت، بل هي قبور مؤجلة بلا أسماء وبلا شواهد!

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى