صعّد الاحتلال، منذ بداية عدوانه على غزة، من وتيرة استهداف الهوية الإسلامية للقدس المحتلة، وشمل عدوانه المسجد الأقصى حراسًا ومصلين، ووصل إلى خطباء المسجد وأئمته، حيث سعت أذرع الاحتلال إلى عزل القدس عن غزة حتى وإن كان ذلك بالدعاء.
ولم تقتصر اعتداءاته على الأقصى وخطبائه، بل شملت سائر مساجد القدس، إن بالاقتحام، أو الهدم، أو اعتقال أئمتها، إضافة إلى محاولة إحياء قانون منع الأذان في القدس.
استهداف خطباء القدس والأقصى
يقول الباحث علي إبراهيم إن الاحتلال صعد من رقابته الأمنية على مضامين خطبة الجمعة في القدس والأقصى بالتزامن مع حرب الإبادة في غزة، وشهدت الأشهر منذ نيسان 2025 استهدافًا ممنهجًا للخطباء، حين اعتقلت قوات الاحتلال الشيخ محمد سليم، على أثر دعائه لغزة وأهلها من على منبر المسجد الأقصى، وهو ما عدّته سلطات الاحتلال “تحريضًا” وسلمته لاحقًا قرارًا بإبعاده عن الأقصى لمدة أسبوع.
وفي تموز، اعتقلت قوات الاحتلال مفتي القدس الشيخ محمد حسين من داخل المسجد الأقصى، على أثر استنكاره في خطبة الجمعة سياسة التجويع التي انتهجها الاحتلال بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، لتصدر سلطات الاحتلال على أثر ذلك قرارًا بإبعاد الشيخ حسين 6 أشهر.
وإلى جانب خطباء الأقصى، يشير إبراهيم في حديث لـموقع القدس 360، إلى تعرض عدد من خطباء القدس لقراراتٍ قاسية، على خلفية مضامين خطبهم بالتزامن مع حرب الإبادة. ويلفت إلى اعتقال الشيخ المقدسي عصام عميرة من قرية صور باهر في تشرين الأول 2023، بتهمة “التحريض”، على إثر دعوته الجيوش العربية والإسلامية لمحاربة دولة الاحتلال.
كما اعتقلت قوات الاحتلال عددًا من من خطباء القدس، فقد حُكم بالسجن الفعلي على الشيخ نعيم عودة مدة 16 شهرًا، وهو أحد خطباء مساجد بلدة سلوان، إضافة إلى اعتقال كل من الشيخ جمال مصطفى، خطيب في مساجد بلدة العيسوية، الذي صدر قرار بسجنه 3 سنوات، والشيخ محمود أبو خضير، خطيب مسجد بلدة شعفاط، الذي حوكم بالسجن لعام وشهر، وتُشير المعطيات إلى أن النيابة العامة للاحتلال وجهت تهمة التحريض للخطباء الأربعة، بسبب نصرتهم لغزة في خطبهم في بداية العدوان.
الاعتداء على مساجد القدس وهدمها
ومن جملة الاعتداءات على هوية القدس الإسلامية، يشير إبراهيم إلى اعتداءات طالت مساجد القدس، ومنها في عام 2023 حين هدد الاحتلال بهدم مسجد الرحمن في بيت صفافا، بذريعة ارتفاع قبته ولنها الذهبي المشابه للون قبة الصخرة، ما أجبر الأهالي على تغيير لون القبة وتقصير ارتفاعها.
كما يشير إلى هدم الاحتلال، عام 2024، مسجد الشياح في بلدة جبل المكبر، بذريعة البناء من دون ترخيص، ويقع المسجد على مساحة تقدر بنحو 80 مترًا مربعًا، ويتكون من طابق واحد، وقد بُني قبل 20 عامًا، وإلى جانب كونه مكان عبادة، يحتضن المسجد مدرسة لتعليم القرآن الكريم، إلى جانب جمعية كتاتيب الإيمان التي تقوم بتحفيظ القرآن الكريم وتعليم السُّنة النبوية لأطفال الحي.
إحياء قانون منع الأذان في القدس
علاوة على ما تقدم، عادت إلى الواجهة مشاريع قوانين تستهدف صوت الأذان في القدس المحتلة، في سياق تحريض متصاعد على كل ما يتصل بهوية القدس الإسلامية، وفق إبراهيم.
فقد شهد عام 2016 مساعي إسرائيلية لإقرار قانون في “الكنيست”، يحاصر صوت الأذان في القدس المحتلة، والأحياء الفلسطينية القريبة من المستوطنات، وعلى الرغم من إقراره بالقراءة الأولى، فإنه لم يتحول إلى قانون نافذ.
ويبين إبراهيم أنّ الأمر عاد إلى الواجهة مجددًا هذا العام، حيث كشف إعلام عبري أن وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير عقد في مكتبه اجتماعًا، شارك فيه عدد من كبار ضباط الشرطة، وطالب بفرض إجراءات صارمة لمنع الأذان، واصفًا صوت الأذان بـ”الضجيج المزعج”.
ويلفت إبراهيم إلى أنّ سلوك شرطة الاحتلال في هذا السياق مؤشر على مثل هذه الاتجاه لدى بن غفير وإن لم تتوافر دلائل رسمية واضحة على أنه أعطى أوامر لتقييد الأذان.
ويشير إبراهيم إلى اقتحام أحد عناصر الشرطة مسجدًا في بيت حنينا في القدس المحتلة في تشرين الأول المنصرم، حيث أجبر شابًا على ترك الصلاة ليقدم له بطاقة الهوية، في مشهدٍ يعكس التضييق والاستفزاز الذي تقوم به أذرع الاحتلال الأمنية، وقبل أن يغادر الشرطي المسجد حرص على تحرير مخالفة بقيمة 5 آلاف شيكل (نحو 1500 دولار أمريكي) بحقّ المؤذن بادعاء ارتفاع صوت الأذان.
سياسة تخدم مشروعًا تهويديًا شاملاً
يختم إبراهيم حديثة بالقول إنّ هذه الاعتداءات تظهر محاولات الاحتلال الحثيثة لتقويض الوجود الإسلامي في القدس المحتلة، وسعيه إلى استهداف هويتها الإسلامية الأصيلة، وهو سعي يتّسق مع مخططاته الرامية إلى فرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على القدس، وعلاقة هذه السياسات بفرض السيطرة شبه الكاملة على الأقصى، مرورًا بمنع المظاهر الإسلامية المرتبطة بمواسم العبادة وخاصة في شهر رمضان، وصولًا إلى هدم المساجد، ومحاولة تقييد الأذان وغيرها.
ويؤكد أنّ هذه السياسة جزء من مشروع تهويديّ شامل يسعى إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على المدينة وإعادة تشكيل هويتها الدينية والثقافية.




