إنسانفلسطين وناسها

في حضرة أمِّ الشهيدين … سؤالٌ أحرجني!

 

للمرة الأولى منذ عشر سنوات من كتابة القصص الإنسانية، أجدني محرجة أمام أمِّ شهيدين! فقد اعتدتُ أن أترك للأمهات مساحةً يتحدثن فيها كما يشأن، بلا أسئلةٍ تُثقل الوجع، فأمامهن أشعر أن الآلام لا تحتاج إلى استجواب، بل إلى أذنٍ تُصغي وقلبٍ يحتمل.
لكن هذه المرة، وجدتُ نفسي أسأل سؤالًا لم أتوقعه يومًا: “هل ما تحدثتِ به حقيقة؟ أم أن هول الحرب جعلكِ تتخيلين أنه قد حدث؟”

 

 

ضحكت، ثم بكت، ثم عادت لتضحك وهي تقول: “لم أُجن بعد، عقلي ما زال معي، ولكنني أعذركِ لأنكِ لا تصدقين، فما حدث لا يصدقه عقل، فلو شاهدته في فيلم لقلتِ إن المخرج بالغ في الخيال، ثم صمتت قليلًا، وأضافت: “هناك جزء من المشهد لم أستطع حتى الآن أن أترجمه إلى كلمات، وحين أستطيع، سأكمل للعالم الحكاية، فأنا على الأقل خرجتُ ورويتُ ما حدث معي، أما غيري، فقد عاش ما هو أفظع، ولم يجد القدرة على أن يحكي للإعلام”

 

 

كانت الغزية “رجاء حمدونة” ضيفة القدس 360، لتروي لنا الساعة التي انقلبت فيها حياتها رأسًا على عقب، ساعةً واحدة كانت كافية لتقسم عمرها إلى نصفين: ما قبلها وما بعدها..

 

ثم سردت قصتها قائلة: “سأبدأ من حواري مع أحمد، حين أردتُ أن أشتت تفكيره، كان طفلًا شاردًا، يحمل في عينيه من الخوف ما لا تحتمله عين طفل، فحاولتُ أن أزرع فيه شيئًا من الطمأنينة، ولم أكن أعلم أن الدقائق التالية لهذا الحوار ستسلبني كل شيء، كنتُ أعجن الدقيق لأصنع خبزًا يسدّ جوع أطفالي، وضعتُ الصاج على النار، وكل ما كنتُ أفكر فيه أن يأكلوا لقمة دافئة في ظل الخوف، ولو كانت الأخيرة في ذلك اليوم ومن الدقيق المسوس الذي لا يوجد غيره!

 

وفجأة اشتدّ أزيز الطائرات الحربية فوق رؤوسنا، فتركتُ الخبز كما هو، وحملتُ أطفالي إلى داخل الخيمة، فقد ظننا أن الخطر ابتعد عندما خفّ صوت الطائرات، لكن سرعان ما بدأ القصف من الطراد البحري، وكان أشدّ رعبًا مما سبق، فانبطحنا جميعًا على أرض الخيمة، أطفالي كانوا يصرخون ويبكون، ويقولون لي: “يا ماما… لا نريد طعامًا… فقط لا نريد أن نموت”.

 

 

 

كانت ليلةً لا تشبه أي ليلة، لم يكن فيها صوت إلا الانفجارات، ولا ضوء إلا ذلك الضوء الأصفر القوي القادم من الجرافات، وهي تحاول انتشال جثامين الشهداء من تحت البيوت التي سُوِّيت بالأرض، ومع اقتراب الفجر، بدأنا نسمع صوت جنازير الدبابات تقترب منا، كنت أرى الرعب في عيون أطفالي، ولم يتوقفوا عن البكاء، أحاول أن أضمهم إلى صدري، رغم أنني أرتجف!

 

 

وما إن أشرق الصباح حتى اقتربت دبابتان من خيمتنا، وأطلقتا النار علينا مباشرة، رأيت زوجي يسقط أمام عيني، ورأيت ابنيَّ أحمد ومحمد ينزفان حتى فارقا الحياة، كنت أصرخ ولا أستطيع الوصول إليهم، فكنت أنزف أنا أيضًا، لكن وجعي الحقيقي كان أنني عاجزة عن إنقاذهم.

 

 

كان طفلي الصغير إبراهيم بين ذراعي، يرتجف من شدة الخوف، وفجأة رأيت دبابة ثالثة تتقدم نحونا بسرعة، فصرخ إبراهيم صرخةً لن أنساها ما حييت، صرخةً شعرتُ أنها هزّت الأرض كلها.

 

لم أجد ما أقوله له إلا: “اعمل حالك ميت يا يما… لا تتحرك”
وحين اقتربت الدبابة، رفعتُ إبراهيم بيدي اليمنى، ورفعتُ يدي اليسرى إلى الأعلى، أردتُ أن أُري الجنود أننا مصابون، وأننا لم نعد نشكل خطرًا على أحد

 

لكنهم لم يتوقفوا…

 

واصلت الدبابة سيرها نحونا، ودهستني وأنا أحتضن ابني

 

 

في تلك اللحظة ظننت أن كل شيء انتهى، لكن رحمة الله كانت أكبر، غصتُ أنا وإبراهيم في رملٍ ناعمٍ وكثيف، فمرّت الدبابة فوق جسدي، من قدمي حتى ظهري، ثم مالت إلى الجهة الأخرى.

 

لا أعرف كيف خرجتُ حية من تحتها، ولكن كل ما أعرفه أنني خرجت أحمل جسدًا محطمًا، وقلبًا دُفن مع زوجي وابنيَّ، بينما بقي إبراهيم في حضني، الشاهد الوحيد على أن الموت مرّ فوقنا، لكنه لم يستطع أن ينتزع آخر ما بقي لي”!

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى