معهد قلنديا المهني في القدس: مصادرة شواهد حق العودة ومساعي تصفية الأونروا
يأتي استيلاء الاحتلال الإسرائيلي على معهد قلنديا للتدريب المهني في 25/8/2026 بوصفه حلقة جديدة في مسار متواصل يستهدف الوجود المؤسسي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس المحتلة. ولا يقتصر هذا الاستهداف على تعطيل خدمات الوكالة، بل يتجه إلى تقويض حضورها بوصفها شاهدًا دوليًا على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة، بالتوازي مع محاولة فرض واقع إسرائيلي جديد على القطاعات الحيوية في المدينة، وفي مقدمتها التعليم. ويُعدّ إغلاق معهد قلنديا محطة بارزة في هذا المسار، إذ سبقه الاحتلال إلى إغلاق وتدمير المقر الرئيسي للأونروا في حي الشيخ جراح، وإغلاق ست مدارس، إلى جانب عيادات الوكالة في مخيم شعفاط والبلدة القديمة، بما أدى إلى تفكيك جانب واسع من بنيتها المؤسسية في القدس.
ويحظى معهد قلنديا بأهمية لدى اللاجئين الفلسطينيين؛ فهو من أقدم مراكز التدريب التابعة للأونروا، وقد تأسس عام 1952 على أرض قدمتها الحكومة الأردنية بموجب اتفاقية أبرمت في 16/10/1952. وهدف المعهد إلى تمكين الشباب من لاجئي فلسطين من خلال التعليم والتدريب المهني والتقني، بما يساعدهم على اكتساب مهارات عملية تؤهلهم للاندماج في سوق العمل وتحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي. ويمتد مجمع المعهد على نحو 80 دونمًا، ويضم ورشًا تدريبية وقاعات دراسية ومرافق إدارية وخدمية ومساكن للطلاب، وتقدر قيمة أصوله بملايين الدولارات. وكان يقدم 16 تخصصًا.
في المقابل، ينظر الاحتلال إلى المجمع باعتباره موردًا يمكن إعادة توظيفه لخدمة مشروع بلدية القدس. ففي أثناء اقتحام المعهد في 25/8/2026، بدأت الطواقم الفنية الإسرائيلية أعمال صياغة وترميم داخل المبنى تمهيدًا لاستخدامه واستقبال الطلاب، بما يعكس تعاملًا معه كموقع بات تابعًا للبلدية.وأفادت الأونروا بأن بلدية الاحتلال وضعت، في نيسان/أبريل 2026، خطة لتطوير مرافق تعليمية ومجتمعية واجتماعية وطبية، إضافة إلى محور للمواصلات، وهو ما قد يؤدي إلى هدم أجزاء من المعهد وإعادة تشكيل الموقع وفق هذه الخطة وفي السياق نفسه، زعمت وزارة الخارجية الإسرائيلية أثناء الاستيلاء على المجمع أن المنطقة نُقلت إلى بلدية القدس التي ستستثمر نحو 40 مليون شيكل، أي نحو 13 مليون دولار، لإقامة مدارس ومساجد ومنشآت رياضية وصحية لخدمة السكان العرب، مدعية أن الأرض مملوكة للصندوق القومي اليهودي منذ عام 1937 ومخصصة للبلدية.
ويأتي استهداف المعهد ضمن حملة إسرائيلية أوسع ضد الأونروا بدأت تتصاعد بصورة منظمة منذ عام 2024. ففي 14/1/2024 طالبت سلطات الاحتلال الوكالة بدفع 17 مليون شيكل بأثر رجعي، بذريعة إقامة مبانٍ من دون التصاريح المطلوبة. وفي الوقت نفسه، قُدمت في الكنيست مشاريع قوانين لحظر نشاط الأونروا وتصنيفها داعمة للإرهاب، ثم أقرت الهيئة العامة للكنيست في 14/2/2024 بالقراءة التمهيدية مشروع قانون يمنع وجود الوكالة ونشاطها في المناطق الواقعة تحت ما يسميه الاحتلال السيادة الإسرائيلية. وفي 29/5/2024 صوّت الكنيست تمهيديًا لصالح إلغاء الحصانات والامتيازات الخاصة بالأونروا، بالترافق مع اتهامات إسرائيلية للوكالة وموظفيها بالمشاركة في أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهي اتهامات أشارت التحقيقات الداخلية في الأونروا إلى عدم ثبوتها بحق موظفيها.
وفي 22/7/2024 صادق الكنيست بالقراءة الأولى على ثلاثة قوانين استهدفت الأونروا، من بينها منع الوكالة من العمل، وتجريد موظفيها من الحصانات والامتيازات القانونية، وقطع العلاقات معها.[11] ثم أقرّ في 28/10/2024 بصورة نهائية قانونين يحظران عمل الأونروا في المناطق التي تخضع، وفق الرواية الإسرائيلية، للسيادة الإسرائيلية، ودخل تطبيقهما حيّز التنفيذ في 30/1/2025. وأبلغ السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون الأمين العام أنطونيو غوتيريش بوجوب وقف جميع أنشطة الأونروا في القدس وإخلاء مبانيها.
وميدانيًا، تصاعدت الاعتداءات على معهد قلنديا خلال عام 2026. ففي 18/2/2026 اقتحمت قوات الاحتلال وموظفون من بلدية القدس المعهد وأمروا بإخلائه، وأطلقوا الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت تجاه نحو 350 طالبًا و30 موظفًا كانوا داخله. وتكرر الاقتحام في 11/5/2026، ثم اقتحمت قوات الاحتلال ساحات المعهد ومرافقه التعليمية في 30/6/2026، وفتشت المكان ودققت في هويات بعض الموجودين. وأفادت الأونروا بأن أكثر من سبع عمليات دخول غير مصرح به نُفذت خلال عام 2026، بعضها قي أثناء وجود الطلاب والهيئة التدريسية في الحصص، إضافة إلى اندلاع ما لا يقل عن عشرة حرائق خلال الأسابيع السابقة جراء قنابل الغاز التي أطلقتها القوات الإسرائيلية.
وقبيل السيطرة النهائية على المعهد، جاء الاحتلال بخطوة اتسمت، بحسب المعطيات الواردة، بحجب نواياه عن الوفود الدبلوماسية؛ إذ زارت 28 بعثة دبلوماسية المعهد في 24/8/2026 ضمن جولة نظمتها الأونروا ووزارة الخارجية الفلسطينية للاطلاع على تداعيات الإجراءات الإسرائيلية ضد الوكالة في مخيم قلنديا. وفي اليوم التالي مباشرة اقتحمت القوات الإسرائيلية المعهد وسيطرت عليه، ما أبرز تناقضًا زمنيًا لافتًا بين الجولة الدبلوماسية والاستيلاء على الموقع.
وفي 25/8/2026 اقتحمت قوات الاحتلال مخيم قلنديا وبلدة كفر عقب بأعداد كبيرة من الجنود والآليات، وأغلقت الطرق المحيطة بالمعهد وقيّدت حركة آلاف المواطنين. واعتلى جنود وقناصة أسطح مبانٍ مرتفعة، من بينها مقر اللجنة الشعبية ومكتب محافظة القدس، بالتزامن مع إطلاق الرصاص والقنابل الغازية، ما أدى إلى إصابة أربعة فلسطينيين، بينهم طفل، وإصابة عدد من الصحفيين بحالات اختناق. ثم اقتحمت القوات المعهد وأقسامه وغرفه، وفتشت محتوياته وانتشرت في ساحاته، وطردت العاملين فيه، واحتجزت نحو 40 موظفًا ومن كانوا موجودين داخله للتحقيق، قبل أن تفرض السيطرة الفعلية عليه بوصفه آخر مرافق الأونروا في القدس.
واكتسب الاقتحام بعدًا سياسيًا مباشرًا بمشاركة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي أعلن أن العملية تهدف إلى إخلاء المبنى، وشدد على أنه لا مكان للأونروا في القدس ولا في إسرائيل، ونشر صورة للعلم الإسرائيلي فوق المعهد مرفقة بعبارة UNRWA in our hands. وأعلن أن الموقع سيُستخدم لاحقًا مدرسة للأطفال، في إشارة إلى توجه الاحتلال لإعادة توظيف الموقع بعد إنهاء وجود الأونروا فيه. وعلى المستوى السياسي الأعلى، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إخلاء مجمع الأونروا في كفر عقب جرى بناءً على توجيهاتي، مجددًا رفض حكومته استمرار الوكالة، وهو ما يدل على أن الاستيلاء على المعهد جاء ضمن قرار سياسي على أعلى المستويات وليس كإجراء ميداني منفرد.
وقد قوبلت العملية بإدانة أممية. فأدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اقتحام مركز قلنديا للتدريب المهني، وطالب بإخلائه فورًا وإعادته إلى الأونروا واحترام حصانته الدولية. وأوضح المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن الحادثة كانت الخامسة من نوعها منذ أيار/مايو 2026، وأنها تأتي في سياق تشريعات وإجراءات إسرائيلية تعرقل عمل الوكالة. ودعت الأونروا إلى تحرك دولي لحماية مرافقها، موضحة أن أربع مركبات مدرعة وأكثر من 50 عنصرًا أمنيًا إسرائيليًا اقتحموا المركز في أثناء وجود نحو 20 موظفًا فيه. وحذر المنسق المؤقت للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، رامز الأكبروف، من أن الاستيلاء على المركز سيحرم بصورة فورية نحو 340 شابًا من لاجئي فلسطين من التعليم والتدريب، ويهدد آلافًا آخرين بالتضرر في السنوات المقبلة.
ويأتي هذا كله في ظل رأي استشاري لمحكمة العدل الدولية صدر في 22/10/2025 بشأن التزامات إسرائيل تجاه وجود وأنشطة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في الأرض الفلسطينية المحتلة، أكد وقوع انتهاكات للقانون الدولي، ورفض الإجراءات الهادفة إلى تقويض سلطة الأمم المتحدة وأنشطتها ووجودها، بما في ذلك محاولات إعاقة عمل الأونروا. ومن ثم، يمثل الاستيلاء على معهد قلنديا ذروة لمسار متدرج يجمع بين التشريع، والضغط المالي، والاقتحامات الميدانية، وإعادة توظيف المنشآت، بما يستهدف تفكيك الوجود المؤسسي للأونروا في القدس وإعادة تشكيل وظائف هذه المنشآت ضمن الرؤية الإسرائيلية للمدينة.




