غابَ «أسامة» وطفلُه ينتظرُ «رغيفًا»
نطقَ محمود ذو العامين كلمته الأولى: “بابا… خبزة“
لم تكن الكلمات الأولى لأطفال حرب الإبادة من قواميس الطفولة، بل تحوّلت إلى مفردات أخرى كخيمة، قصف، خُبزة، طيّارة.
قُهِر قلب أسامة أمام بكاء ابنه الجائع، حين أحكم الاحتلال حصاره على شمال غزة، وأغلق الطريق حتى أمام كسرة خبز.
لم يحتمل دموع طفله، فكانت كافية لأن ينتظر شقشقة الفجر، ويخرج إلى مقاطير المساعدات التي تؤمّن أكياس الطحين، تلك التي يسمح الاحتلال بمرورها، بحثًا عن كيس طحين، حاملًا خوفه من أن يعود فارغ اليدين إلى طفله الجائع، ومعلّقًا أمله الوحيد على رغيفٍ يعيد الطمأنينة إلى صدر طفلٍ لم يعرف معنى الحرب.
“هناك… يعود بعضهم بأكياس الطحين، ويُقتل بعضهم على طريق لقمة العيش، ويختفي آخرون“
بهذه العبارة بدأت السيدة “سمر الجديلي” حديثها مع منصة القدس 360 عن مصير ابنها المجهول، تقول بلهفة الأمهات الخائفات: “كان ابني يعيش حياة جميلة ومطمئنة، إلى أن جاءت الحرب، وجوّعنا الاحتلال في شمال غزة، إلى أن خرج أسامة حين اشتدّ جوع طفله… ولم يعد”
وتُكمل حديثها باكية: “في اليوم الذي خرج فيه أسامة، ارتكب الاحتلال مجزرة بحق منتظري المساعدات شمال القطاع، وتحديدًا في منطقة الصالة الذهبية ومنطقة زكيم، وصلنا أن الاحتلال حفر حفرة كبيرة، ووضع فيها عددًا من الشباب الذين استُشهدوا دون اسم ولا هوية، فيما أُسر آخرون”.
وتقول الجديلي: “لم يصل إليهم الأهالي، ولا الإسعاف، ولا حتى الصليب الأحمر”، ومنذ ذلك اليوم، لا تعرف أم أسامة، ولا زوجته، ولا عائلته أين تضع اسمه: شهيدًا يبكونه؟ أم أسيرًا ينتظرون الإفراج عنه؟
أم مفقودًا سيطرق باب بيته ذات يوم ويعود لطفله؟
ولأن الجميع يؤمن بإحساس الأمهات، تنهال عليها الأسئلة في كل لحظة، ليبقى شعورها “معلّقًا بين الصبر والاحتمالات”، هكذا تصف الجديلي حال عائلتها بعد رحلة بحث قاسية امتدت لأشهر، وتختم حديثها بحزن يفتك بقلبها: “أنا أم يا عالم، أريد أن أعرف إن كان ابني شهيدًا أم أسيرًا، كي تبرد نار قلبي على غيابه، ابني ليس رقمًا في قائمة المفقودين، ابني له عائلة وطفل ينتظره، وزوجة تنتظر عودة زوجها كي يطمئن قلبها”.
في المقابل، تقف “شروق سالم” زوجة أسامة عاجزة أمام دموع طفلها وأسئلته اليومية عن والده، الذي يظن في خَلَده الصغير أن والده ذهب إلى السوق ولم يعد، تقول: “نعيش في قلقٍ كبير على مصير زوجي المجهول، وأنا في حيرة ماذا أُجيب ابني حين يسألني: وين بابا؟” ومنذ ذلك اليوم، يحرقني قلبي وجعًا كلما وقف محمود عند الباب، يردّد ببراءة: “بابا راح عالسوق… يجيب لي خبزة”..وتُكمل الزوجة المكلومة: “نطالب المؤسسات الدولية بكشف مصير الآلاف من المفقودين في غزة، فهذا حقّ كفلته القوانين والمواثيق الدولية”.
ويُعدّ الاختفاء القسري من أخطر الأزمات الإنسانية التي خلّفتها حرب الإبادة، إذ أعلن مركز الدراسات السياسية والتنموية أن عدد المفقودين في قطاع غزة تجاوز 14 ألف شخص منذ اندلاع الحرب، دون أي معلومات عن أماكن وجودهم أو أوضاعهم.
ووفقًا للاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 ديسمبر/ كانون الأول 2006، يُعدّ الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية، وتنصّ المادة الأولى من الاتفاقية بوضوح على أنه: “لا يجوز تعريض أي شخص للاختفاء القسري، ولا يجوز التذرّع بأي ظرف استثنائي، سواء تعلق بحالة حرب أو التهديد بالحرب أو انعدام الاستقرار السياسي الداخلي أو أي حالة استثنائية أخرى، لتبرير الاختفاء القسري”
لم يكن أسامة وحده في قائمة المفقودين خلال حرب الإبادة على غزة، فهناك آلاف العائلات المعلّقة بين خبر الحياة والموت، يحملون قسوة الاحتمالات، بلا شهادة وفاة، ولا خبر عن حياة.




