إنسانتقارير

الحكاية الأخيرة للحكواتي

ربما تأخر نشر المادة التي أُجلت لشهر كامل كي يكتب لها القدر أن تأتي أخيرة! كما تأتي الخواتيم الثقيلة التي لا تُروى إلا حين يكتمل الوجع

هذه ليست حكاية جديدة، بل امتداد أخير لحكايات رواها الحكواتي الراحل “حمزة العقرباوي” على منصة القدس 360، حكاية الزيتون الذي أفنى شبابه واقفًا لأجله!

نرويها لكم اليوم على لسانه، بالمشاعر الأخيرة التي سكنت قلبه وهو على أرضه يرى الجنود يحيطون أشجار زيتونه بسور غليظ، يُقام أمام عينيه للسنة الأولى، كأنهم يحكمون الطوق على قلبه فيقتلونه!

في اللقاء الأخير لمراسلة منصة القدس 360 للحديث عن موسم قطف الزيتون وطقوسه في فلسطين… قال “العقرباوي” حكاية زيتون عقربا الذي يقاوم الاقتلاع:

“تحت أغصان شهدت التاريخ، تفترش العائلات الفلسطينية في عقربا المفارش منذ ساعات الفجر الباكرة، يحملون سلال القش وينطلقون إلى الأراضي الزراعية لجني الزيتون، صغارًا وكبارًا، محتفلين بموسم الصبر وبركة الأرض.. وبين صوت المناجل ووقع الزيتون يتساقط من الشجر تتعالى الضحكات والأهازيج الشعبية القديمة والحكايات والمأثورات!

كنت رفيق جدي منذ أن كنت طفلًا، أما موسم الزيتون والذي نسميه نحن الفلاحين “أبو المواسم” هو أوّل موسم في التقويم الفلاحي الفلسطيني القديم، ويأتي بعد “شتوة المساطيح” بداية العام الجديد في التقويم الشعبي، ويبدأ موسم قطاف الزيتون في فلسطين في التشارين؛ أي تشرين أول وتشرين ثاني، وتتفاوت مواقيت البدء في قطافه من منطقة لأخرى حسب الجغرافيا ودرجات الحرارة، فموسم قطاف الزيتون هو موسم البركة يبدأ الفلاحون به عامهم الاقتصادي الجديد.

ولأن موسم الزيتون هو أصل الحكاية في القرى، وسر الوصايا بين الأجداد والأحفاد، كنت أرافق جدي وأبي في شهر أكتوبر إلى أراضيهم، وكنا نبدأ الجني بمجرد وضع المفارش تحت الشجر بأغانٍ شعبية، على دلــعـونـا وعلى دلـعــونـا .. زيتون بلادي أجمل ما يكونا.. زيتون بلادي واللوز الأخضر .. والميـرميه وما بنسى الزعتر..وأقراص العـجـّـه لمـا تتـحـمر .. مـا أطيبـها مع زيت الزيتونا

أسماء كثيرة يطلقها القرويون على موسم جني الزيتون، فحين تكون الحبات قريبة من أيدي الجانين يسمونه “اللقاط” أي جمع الحب باليد، أما حين يكبر الموسم وتكثر الثمار في أعالي الأغصان، يبدأ “الجداد” حيث تُستخدم العصيّ لتهوي حبات الزيتون من الأشجار العالية إلى أكفهم، وللعصيّ أيضًا حضور وأسماء، فالقصيرة تُدعى الجدّادة، وتلك الأطول قليلًا تُسمى العَبِيّه، أما ما يطال القمم العالية فهي الطوّالة.

لا أستطيع وصفَ حسرتي وأنا أحدق كل صباح في بساتين الزيتون التي كانت يومًا امتدادًا لقلبي وحكايا جدي الحكواتي، قبل أن يسرقها الاحتلال ويضمّها إلى ما يسمّى “المنطقة ج”، فهذا العام أصبحت أراضي الأجداد غريبة خلف الأسوار وللسنة الأولى يأتي موسم الزيتون بلا فرحة ولا ضحكات العائلة ولا ركض الأطفال بين السلال الممتلئة بالخير، حيث أصبحت هذه الطقوس كلها تحت عيون جنود يراقبون الثمر، ويتربصون بقاطفي الزيتون، فلم يعد الموسم موسم فرح، بل معركة للصمود والثبات من أصحاب الأرض خوفًا عليها من الاقتلاع

ورغم كلّ ما يرتكبه الاحتلال من انتهاكات بحق قاطفي الزيتون في عقربا وسائر القرى الفلسطينية، ورغم الاعتداءات التي تطالهم كلّ عام… إلا أنّهم يخرجون مع أول خيط فجرٍ نحو أراضيهم، فالاحتلال ضيّق على العائلات كثيرًا، فمنهم من لا يدخل أرضه إلا بتصريح، ومنهم من يُطرد أو يُعتدى عليه بالضرب والسحل والاعتقال، لذلك أصبح موسم الزيتون معركة بقاء”، أما حين أرى هذا الإصرار، أتذكّر سميح القاسم وهو يهتف: خذوا ما شئتم من البحر والسماء… واتركوا لنا غصن الزيتون، ليشهد أننا كنّا هنا

هكذا روى حكواتي فلسطين الحكاية الأخيرة لنا!

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى