موائد ناقصة ووجعٌ كامل في غزة!
خمسةُ رمضاناتٍ مرّت، والأب غائبٌ خلف قضبان زنزانته..
ففي كلّ عام، كانت الغزية تهاني المبحوح لا تفهم صمت ابنتها عند الإفطار، لكنها كانت تدرك الطقس الذي لا يتغيّر، حين كانت تضع طفلتها رانيا أمام كرسيّه طبقٌ فارغ وملعقة، كما لو أنّه سيتأخّر قليلًا ويجلس بينهم، وحين يشتدّ شوقها وبكاؤها، كانت رانيا تضع صورته على الكرسي نفسه كما لو أنها تقنع قلبها بوجوده بينهم..
وفي الجهة الأخرى، في زنزانته البعيدة، يعيش الأب الأسير “يوسف المبحوح” طقوس الغياب القاسية، يقلب صور عائلته بين يديه، يتساءل كيف تبدّلت ملامحهم خلال هذه السنوات، كيف تمرّ عليهم ليالي رمضان من دونه، وكيف يكبر الأبناء فيما الزمن عنده ثابت بين جدارين، يتساءل في نفسه عن رانيا التي كبرت، عن طلعت الذي صار أكثر شبهًا به، عن الزوجة التي تُدير البيت وتُخفي تعبها، وعن الأيام التي تمضي ثقيلةً بانتظار خبر عنه..
كانت الأسئلة تتكرّر، لأنّ السنوات كانت تمضي ثقيلة، بينما حياته متوقفة عند لحظة الاعتقال!
حُكم على يوسف بالسجن خمسةً وعشرين عامًا بعد مشاركته في فعاليات المطالبة بالعودة إلى مدن وقرى فلسطين المحتلة على سياج غزة، وقف محتجًا، وحين تجاوز الحدود في محاولة رمزية لتحقيق حلم العودة، اعتُقل وصدر بحقه الحكم.
وخلال سنوات أسره، كانت عائلته تحافظ على طقوس الغياب في رمضان؛ مقعده ظلَّ حاضرًا في البيت، تستذكر زوجته في حديثها مع منصة القدس 360 تفاصيل الاتصال الأقسى الذي تلقته من زوجها الأسير وهو في زنازين الاحتلال، تقول: “في أحد أيام أسره، أرسل يوسف وصيةً لي، أن أنتبه على الأولاد، وبعد أيام قليلة من إرساله للوصية وصل خبر طعنه أحد السجّانين داخل المعتقل، احتجاجًا على ما تعرّضت له أسيرات فلسطينيات من اعتداءات وتعذيب في سجن الدامون، وعقب الحادثة، فُرضت عليه إجراءات عزل مشدّدة، وانقطعت أخباره لفترات طويلة، كما مُنعت العائلة من زيارته”.
ومع اندلاع حرب الإبادة، ازدادت مخاوفه على عائلته في غزة، بينما بقي هو خلف القضبان يتابع الأخبار بقلق، كانت رانيا تنتظر أن يتحرر والدها في صفقة تبادل، وتحلم بلحظة اللقاء، لكنّها قُتلت خلال الحرب، قبل أن يتحقّق الحلم!
تحرّر يوسف لاحقًا ضمن صفقة تبادل، ووصل إلى غزة، حيث واجه غياب ابنته التي كانت تنتظر عودته، يقول لمنصة القدس 360: “كأن الغياب كُتب علينا وفي كل رمضان يجب أن يكون هناك كرسي فارغ في العائلة، فها أنا أقضي رمضاني هذا في خيمة دون ابنتي رانيا التي انتظرتني لسنوات كثيرة”.
آلاف العائلات الغزية استقبلت اليوم شهر رمضان بموائد لا يكتمل أصحابها، فرمضان في غزة، بلا اكتمال، بلا بيتٍ يضيق بالضحكات، بلا مائدة تجمع أسماءها كاملة، فهناك كراسٍ فارغة تعرف تمامًا ملامح الغائبين، وأطباق باردة غاب أصحابها، بعضهم شهداء ارتقوا قبل الأذان، وأسرى يصومون خلف القضبان في زنازينهم الباردة، وجرحى تقطّعت بهم الطرق، وأنصاف عائلات تتقاسم الغياب على بوابة المعبر، ففي غزة رمضان بلا عائلة كاملة.. يبكون أهلها فقدان الأحبة والبيوت وهم يقضون رمضانهم في الخيام وعلى طوابير التكايا وعلى عتبات الانتظار!




