تقاريرميدان

ما واقع الوجود السياسي الإسرائيلي في المسجد الأقصى؟

اقتحم وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال، إيتمار بن غفير، في 2025/10/24 المسجد الأقصى، تزامنًا مع ما يُعرف بـ”عيد بهجة التوراة”، الذي وافق هذا العام ذكرى معركة “طوفان الأقصى” بحسب التقويم العبري.

وهذا الاقتحام هو الثاني لبن غفير في أقل من أسبوعين، حيث قاد اقتحامًا سابقًا للمسجد 2025/10/8، بالتزامن مع ثاني أيام “عيد العُرش” التوراتي، وأدى طقوسًا وصلوات توراتية علنية، في انتهاك واضح للوضع الديني والتاريخي القائم في المسجد.

ولا تقتصر الاقتحامات السياسية على بن غفير، فقد شارك فيها منذ بداية عام 2025 وزراء وأعضاء “كنيست” هم وزير التراث عميحاي إلياهو، ووزير النقب والجليل يتسحاق كرويزر، إضافة إلى عضوي “الكنيست” تسفي سوكوت، وعميت هليفي، صاحب مشروع قانون تقسيم الأقصى مكانيًا.

وقد تجاوز مجموع الاقتحامات السياسية للأقصى منذ بداية العام الحالي 20 اقتحامًا.

تماهٍ سياسي مع أجندات “منظمات الهيكل”

وتأتي هذه الاقتحامات في سياق التبني الرسمي المتزايد من قِبل مسؤولين في حكومة الاحتلال لروايات “منظمات الهيكل”، التي تسعى لفرض وقائع دينية جديدة في المسجد الأقصى، عبر أداء الطقوس التوراتية علنًا، والترويج لما يسمى “الحق اليهودي في الصلاة في جبل الهيكل”.

وعلى مدار السنوات الماضية، استطاعت هذه الجماعات أن تعزز حضورها وتأثيرها داخل الحلبة السياسية الإسرائيلية، حيث وصل عدد من أبرز الداعمين لأفكار “إعادة بناء الهيكل” إلى مواقع تشريعية وتنفيذية، بما في ذلك عضوية “الكنيست” وتولي مناصب وزارية في الحكومات المتعاقبة.

خلفية سياسية ودينية مشحونة

ويرى مراقبون أن التزايد الملحوظ في وتيرة الاقتحامات السياسية خلال الأعياد اليهودية يعكس رغبة اليمين الإسرائيلي في كسب تأييد القواعد المتطرفة، وتوظيف الأقصى كورقة انتخابية وأمنية، في ظل اشتداد التنافس داخل الائتلاف الحاكم. كما أن هذا التصعيد يُعدّ رسالة سياسية موجهة للداخل الفلسطيني، وللمقاومة في قطاع غزة على وجه الخصوص، مفادها أن المسجد الأقصى بات في صلب الصراع السياسي والعسكري.

دعم سياسي متزايد لمخططات الاقتحام والتهويد

أكد الباحث في الشأن المقدسي علي إبراهيم أن “منظمات الهيكل” نجحت خلال السنوات الأخيرة في توسيع نفوذها داخل البيئة السياسية الإسرائيلية، متجاوزة حدود العلاقة التقليدية مع السياسيين، إلى مرحلة التأثير المباشر وتبني أطروحاتها من قبل شخصيات رسمية في الحكومة و”الكنيست”.

وفي حديثه لموقع القدس 360، أوضح إبراهيم أن الطيف السياسي الإسرائيلي الداعم لهذه المنظمات ينقسم إلى شريحتين: الأولى تضم سياسيين يشاركون بشكل فعلي في اقتحامات المسجد الأقصى، والثانية تشمل من يمتنعون عن المشاركة لأسباب دينية تتعلق بالطهارة، لكنهم يدعمون سياسات التحريض ضد الأقصى وروّاده، مثل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش.

وأشار إلى أن هذه الاقتحامات باتت وسيلة رئيسية يستخدمها ساسة اليمين المتطرف للتقرب من “منظمات الهيكل” وكسب تأييدها الانتخابي، لا سيما في ظل تنامي حضور هذه الجماعات في المشهد السياسي وتزايد تأثيرها في صناديق الاقتراع.

وبيّن إبراهيم أن مظاهر هذا التماهي تظهر على عدة مستويات، أبرزها المشاركة المتكررة لوزراء وأعضاء كنيست في اقتحامات المسجد الأقصى، واستغلال المناسبات والأعياد الدينية اليهودية لزيادة وتيرة هذه الاقتحامات. وتُرافق هذه التحركات حملات تحريض ضد المكوّن الإسلامي في المسجد، ودعوات متكررة لإنهاء دور دائرة الأوقاف الإسلامية.

وأضاف أن السياسيين الإسرائيليين باتوا يستجيبون بشكل مباشر لمطالب “منظمات الهيكل”، خاصة فيما يتعلق بزيادة أوقات الاقتحام، ومحاولات تفريغ الأقصى من المصلين، وتحويل مشاريع تهويد المسجد إلى قوانين رسمية. ومن بين هذه المبادرات، أشار إلى مشروع القانون الذي قدّمه عضو الكنيست عميت هليفي، والذي يسعى إلى تقسيم الأقصى مكانيًا.

ولفت إبراهيم إلى أن هذه السياسات لا تقتصر على الداخل الإسرائيلي، بل تُستخدم أيضًا كورقة ضغط ورسائل سياسية موجّهة إلى المقاومة في قطاع غزة، في محاولة لربط السيطرة على المسجد الأقصى بمفاهيم “الانتصار الأمني والعسكري” لدى الاحتلال.

بروز دور التيار الديني الصهيوني

يشير تقرير عين على الأقصى السنوي التاسع إلى بروز الدور المحوري للتيار الديني الصهيوني المتطرف، عبر تحالف حزبَي “الصهيونية الدينية” و”القوة اليهودية”، في دعم أجندة تهويد الأقصى، ويبين أنّ إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال، كان له الدور الأبرز في هذا السياق، إذ أعلن في تموز 2024 صراحة أن المستوى السياسي يجيز “الصلاة اليهودية” في الأقصى، مخالفًا ما يُعرف بـ”الوضع القائم”.

ويلفت التقرير الصادر عن مؤسسة القدس الدولية في آب 2025، إلى أنّ بن غفير وفر التسهيلات والدعم لـ “منظمات الهيكل” المتطرفة لإقامة الطقوس الدينية والاحتفالات العلنية داخل المسجد، وظهر في صور دعائية يحمل “قربان الفصح”، في تجسيد رمزي لتقاطع دوره السياسي مع عقيدة “الهيكل”، كما شارك في بعض الاقتحامات التي تخللتها تصريحات عبَّر فيها عن سعادته بما يفعله من تغييرات جوهرية في المسجد الأقصى لمصلحة المستوطنين المتطرفين.

كما انخرط المستوى السياسي في حكومة الاحتلال بصورة مباشرة في فرض قيودٍ أمنية على دخول المصلين إلى المسجد الأقصى، في الوقت الذي مَنحَ فيه المستوطنين حرية مطلقة في اقتحامه من دون أي قيد أو شرط. وبرز هذا التمييز بوضوح خلال شهر رمضان.

تبنّي خطاب “حرية اليهود” في أداء طقوسهم بالأقصى

يقول تقرير عين على الأقصى إنّ عام 2025 شهد تصعيدًا لافتًا في تبنّي الخطاب السياسي الإسرائيلي، بمختلف مستوياته، لمفهوم “حرية اليهود” في أداء الطقوس اليهودية داخل المسجد الأقصى.

ويبين التقرير أنّ هذا الخطاب تحوّل إلى أداة تحريض ممنهجة، تهدف إلى حشد الدعم السياسي والديني للاقتحامات، وتكريس السيطرة على المسجد، تمهيدًا لفرض تقسيمه زمانيًّا ومكانيًّا.

ويشير التقرير إلى توقيع 17 شخصيةً إسرائيلية، بينهم وزراء وبرلمانيون، رسالة تطلب اعترافًا من الكونغرس بما سموه “الحق الأبدي وغير القابل للجدل للشعب اليهودي” في المسجد الأقصى. وجاء التوقيع خلال شهر رمضان، وتحديدًا في 2025/3/12، قبل أيامٍ قليلةٍ من بدء عيد “البوريم” العبري.

وفي تطور خطير آخر يشير التقرير إلى خطاب ألقاه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في أيار 2025 أمام جمع من حاخامات تيار “الصهيونية الدينية” وقادته، وفي مقدمتهم الوزيران المتطرفان إيتمار بن غفير وسموتريتش.

وتضمن خطاب نتنياهو وعدًا وتحريضًا للحضور ليقتحموا المسجد الأقصى قائلًا: “من منكم لم يكن هناك؟ ستصعدون”، ليقابله الحضور بالغناء “سيبنى الهيكل وستمتلئ صهيون”.

كما شبّه نتنياهو الحرب على غزة، التي يسميها “حرب القيامة”، في صعوبتها بمسار صاعد سينتهي في “الهيكل”، في إشارة إلى أن الهيمنة على الأقصى تقع في قلب أهداف الحرب.

فريق التحرير

الأقصى بوصلتنا والقدس عنواننا، نعمل لنوصل صورة القدس من كل الزوايا
زر الذهاب إلى الأعلى