على الإسفلت الممزق من خطى النازحين التائهة والباكية، كان القهر يسكن قلوب مليون نازح من شمال غزة إلى جنوبها، يمشون بأقدام بلا خرائط معروفة، يبحثون عن وطن، مأوى، ملجأ، يبكون بيوتهم التي حملوها في حقيبة، حاملين في ذاكرتهم المثقوبة ذكريات أليمة، ويعلقون على صدورهم مفاتيح لبيوت لم تعد موجودة، وسؤال لا يغيب وهو يتردد في قلوب الصغار قبل الكبار: “وين بدنا نروح؟”!
وبينما يغرق النازحون بحثًا عن إجابة للمجهول الذي يسيرون إليه بلا اتجاهات، دوامة أسئلة كانت تحوم في رأس النازح الكفيف وسيم راضي، الذي يمشي بلا وجهة، بلا دليل، بلا عيون مبصرة!
يعود وسيم في حواره مع منصة القدس 360 بذاكرته إلى أيام الحرب القاسية، وإلى اللحظات التي فتكت بقلبه وما تزال، فبينما كان يغرق الجموع في بحر التفكير والوجع كان يسأل نفسه: “ايش بدي أعمل في الازدحام وأنا مش شايف؟ كيف بدي أتصرف لو قصفوا مجموعة من النازحين في منطقة التكدس؟ كيف بدي أتصرف لو أجتني الأزمة الصدرية الحادة؟ كيف بدي أمشي بسرعة النازحين وأنا مش شايف وحركتي بطيئة”؟!
لا يرى “راضي” وجع الوجوه ولا ألمها، لكنّه يلمسه في بكاء رجلٍ مقهور يحمل أطفاله إلى المجهول، وفي تمتمة امرأةٍ على الرصيف تهمس: خذلونا يا رسول الله، ويسمعه جيدًا في أنين جريح ينقصه الأكسجين أو مبتور يصرخ لأن المسكنات قد نفدت في طريق النزوح المتعب!
يقول: “إن كل صوت يئن في طريق النزوح أسمعه، يتشكل في خيالي المشهد كاملًا، كأن تقول أم لأطفالها لقد اجتزنا منطقة الخطر، لننم الليلة في الشارع حتى نجد مكانًا يؤوينا، وكأن أسمع عجوز يقول وهو يجر قدميه المتعبتين: “نصيبي أعيش بعمري نكبتين، نكبة ال48 وهالنكبة والتشريد”.
في طريق النزوح، رصدت ذاكرة راضي مشاهد موجعة للغاية، فعلى أكتاف الرجال والنساء والأطفال حقائب لا يمكن أن تختصر أو يختزل داخلها ما تركوه خلفهم، وأثقل بكثير من أن تحملها يد مقهورة وتشد عليها، فتنهار قواهم في منتصف الطرق، ويلجؤون للأرصفة المقصوفة كي يتخذوا منها طاقة لإكمال طريقهم نحو اللا مكان.
الأمهات يسندن الأطفال على أكتافهن إلى أن تنهار قواهن، الآباء يتناوبون على حمل الحقائب والأكياس وأطفالهم، وفي لحظة تعب، يضعون كل شيء على جانب الطريق ويجلسون.
أطفال لا يستطيعون إكمال الطريق جوعًا وعطشًا وتعبًا، عن يمينهم بحر يهدر موجه مع صوت الزوارق البحرية المرعب، وسماء تمطر من حولهم صواريخ ورصاص لا يفرق بين كبير أو صغير، يرتجفون خوفًا، ويتنهدون كما لو أن كلًا منهم بلغ السبعين عامًا في سنين حياته الأولى.
وحول خاصرته، يشد مسن كبير بقايا بيته المقصوف، لا يعرف أين سينام ليلته، يبكي بحرقة نزوحه وحده بعد أن فقد عائلته بأكملها، لا زوجة تهون الطريق، ولا ولدًا يؤنس قهر السنين، يحمل صورًا لهم ويبكي طريقًا بات أشد قهرًا وهو يمضيه وحيدًا.
وعلى طريق ترابي وعر، تمضي عجوز بظهر مقوس منحنٍ، بخطوات بطيئة، وعيون دامعة، وعصا خشبية تآكل طرفها من كثرة خطوات النزوح منذ عامين، تبكي النكبة التي هجرتها قبل 75 عامًا، تمامًا مثلما ينوح قلبها وجعًا لنكبة ثانية.
خطوات النزوح تتداخل فيها خطوات الأصحاء مع الجرحى، فترى بعضهم يمشي ببطء يحملون بأيديهم ضمادات من أقمشة ملأى بالدماء، أسرة مستشفى تحمل جرحى يصرخون وجعًا، وكثير منهم يبكون من حرارة الشمس الحارقة للمعادن التي غرزت في أطرافهم التي تفتتت من شظايا الصواريخ!
ويبقى سؤال وسيم بعد قرار وقف الحرب الشكلي بينما يستمر القتل والحصار بانتظار من يجيبه عليه: “من يقتلع من ذاكرتنا أسى النزوح”؟!




