“قلمُ حمرة ينزفُ دمًا”.. عدسة “سماح” بين الحياة والإبادة!
لم تكن تلك مجرد صورة، بل حكاية كاملة اختزلتها العدسة في لحظة واحدة!
صورةُ الشهيدة دانية عدس، العروس التي اختطفها الموت قبل أيام قليلة من زفافها.. فحين وصل الخبر إلى سماح بدا لها من أقسى ما يمكن أن تسمعه؛ خبر ثقيل تسلل إلى قلبها وترك فيه حزنًا عميقًا لم تشأ أن يمر عابرًا، ولم ترد أن يتحول إلى خبر في شريطٍ سريع.. ولكي تظل الصورة شاهدة على الجريمة التي ترتكب بحق جميلات غزة كما تقول، ولدت فكرة تصوير الحكاية بعدستها.
على ركام بيت مقصوف حاكت “سماح” الفاجعة، حين وقفت الفتاة “رانيا دبابش” بجرأة تؤدي الدورين معًا، مرة دانيا العروس التي تتهيأ للحياة، وترتدي فستانًا للزفاف، ومرة أخرى رانيا نفسها وهي تتوشح الكفن الأبيض.
وبين الفستان والكفن، التقطت عدسة “سماح” لحظة تختصر مأساة كاملة، لحظة تقول إن في غزة قد لا يفصل بين الفرح والفاجعة سوى لحظات قصيرة وموجعة!
حين التقطت “سماح” هذه الصورة لم تكن تتخيل أن النزف في غزة سيشتد، وأن عرائس الوطن لم يزففن إلى الحياة بل إلى الكفن مع اندلاع حرب الإبادة، وأن أحلام الفساتين ستستبدل بأكفان صامتة إلا من القهر! كما صورة أخرى التقطتها عدسة كاميرتها، لقلم حمرة ينزف دمًا، كانت تود أن تعبر فيها عن العنف ضد النساء في العالم، ولم تدرِ أن ما سيجري في غزة سيفوق كل الصور، إذ سيكتب الاحتلال فصولًا دامية تمارس فيها أبشع أشكال العنف، ويصبح الوجع في قلوب نساء غزة أكبر من أن تحتويه صورة أو أن ترويه حكاية!
التقت منصة القدس 360 المصورة الغزية “سماح شمالي” التي كانت تلتقط تفاصيل البساطة والفرح في غزة بالتصوير المفاهيمي، وعن صورة قلم الحمرة النازف تقول: “في اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، كسيدة غزية سخرت عدستي يومًا ما لأصرخ بها من أجل نساء العالم المعنفات، كنت أظن أن العالم قادر على السماع والتعاطف، لكن اليوم في غزة تسحق النساء تحت الركام، ويسلب منهن حقهن في الحياة والأمان والأمومة، دون أن يسمع أحد أو يتحرك، فلم يعد العنف شعارًا ليوم عابر، بل واقعًا داميًا يتجلى في كل بيت”.
قبل حرب الإبادة، كانت غزة في عين “سماح” تبدو مدينة تتنفس الجمال بهدوء، تقول: “كنت أرى في تفاصيلها اليومية ما يوقظ شغف العدسة والكلمة معًا، فمشهد الميناء في الصباح، كان كفيلًا بأن يهب قلبي شيئًا من السكينة، فيما كانت خطوات الرجال والنساء وهم يركضون على كورنيش غزة مع بزوغ النهار تأسرني، ومع ارتفاع أصوات “زامور” حافلات المدارس ورياض الأطفال، كانت المدينة تستيقظ على روتينها الغزي المشترك، روتين بسيط لكنه ينبض بالحياة، ففي تلك اللحظات كانت سماح تلتقط الصورة، ثم تترك لقريحتها الأدبية أن تكمل الحكاية؛ فكل تفصيلة من تفاصيل غزة كانت تتحول في عدستها إلى مشهد، وفي نصوصها إلى ذاكرة حيّة لمدينة كانت تصنع الحياة رغم كل شيء.
“ما الذي كنتِ تبحثين عنه غالبًا في الصورة: الناس؟ الحياة اليومية؟ الألم؟ أم التفاصيل الصغيرة؟” كان سؤالنا لسماح، تقول: “كنت أحاول أن يشع من صوري السلام والهدوء، ومؤخراً كنت أتبع نوعًا معيناً من التصوير وهو التصوير المفاهيمي، حيث يمكن للمشاهد استشعار قيمة وفكرة الصورة دون قراءة التوصيف المرفق مع الصورة، كما كنت أستلهم أفكار التصوير من مقولات خالدة لمفكرين عظماء مشهورين”!
صور الشهداء والجرحى والبيوت التي تقصف في التصعيدات العدوانية على غزة كانت تراها “سماح” من أقسى ما يمكن أن تلتقطه عدسة كاميرا، وحين بدأت حرب الإبادة بشراستها رأت كل المشاهد فوق الاحتمال، خاصة مشهد الخيمة، تكمل حديثها مع منصة القدس 360: “النظرة والعين الإبداعية التي كنت أرى فيها تفاصيل غزة الجميلة أصبحت حائرة خائفة تُغمض جفونها عن كل ما تراه لأنه فوق قدرة التحمل وحدود الاستيعاب البشري، ولم تعد التفاصيل الغزية تلهمني بل توجعني وتقصي عيني عن المشهد عنوة لأن كل المشاهد أصبحت موت بشع وشنيع، ولم أعد قادرة على توثيق ذلك، وألقيت بكاميرتي لعامين متتاليين انهيارًا من هول ما حدث”!
لحظات كثيرة مرت على “سماح” أغلقت فيها عدسة الكاميرا، لأن الصورة أقسى من أن تلتقط! تروي بتوجع كبير: “في الأيام الأولى من النزوح، كنت أرفض تصديق مشاهد النزوح في المدارس وإعداد السيدات الطعام أمام بوابة المدرسة، فقد شعرتُ برفض كامل لتصديق ذلك ولم أستطع كتابة توصيف للصور آنذاك”، تسترسل واصفة شعورها: “كل تفاصيل الإبادة كانت قاسية، وجوه النساء وهي عاجزة عن رفض الواقع المؤلم والوضع المفاجىء الذي فُرض عليهن في الخيام بعدما كُن سيدات كريمات معززات في بيوتهن، وملامح الأطفال في طوابير انتظار الماء والطعام بدلاً من طابور المدرسة الصباحي وغيرها من المشاهد”.
على بوابة معبر رفح، كانت الصورة الأقسى التي التقطتها “سماح” لطفلتها “مكة” وهي تعانق والدها قبل أن يغادروا غزة، تقول: “كانت طفلتي تتشبث بوالدها وتخبره أنها تفضل البقاء معه تحت القصف عن البُعد عن حضنه”.
“ماذا تتمنى سماح”؟
كان ختام الحوار مع منصة القدس ٣٦٠.. أجابت وهي تقلب كتاب “الشهداء ليسوا أرقامًا” الذي أصدرته مؤسسة القدس الدولية وقد خطت في سطوره حكاية أختها الشاعرة منى شمالي وزوجها وبناتها الخمسة : “أتمنى أمنية مستحيلة! وهي لو أن كل ما عشناه كان محض خيال أو كابوس”!




